وقال سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، وكبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إن الحظر المقترح سيُطبق على طرفي الحرب وجميع الجهات التي تمدهما بالأسلحة والذخائر أو توفر لهما الدعم العسكري واللوجستي، “من دون أي استثناءات”.
وأوضح المسؤولان، في مقال مشترك نشرته مجلة “فورين بوليسي”، أن مشروع القرار يستهدف تجار الأسلحة ووكلاء المشتريات ومجندي المرتزقة والممولين وموردي الطائرات المسيرة والشبكات المدعومة من دول، إلى جانب القادة المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات جسيمة.
ويعكس التحرك الأميركي توجهاً لنقل ملف التدخلات الخارجية في السودان من دائرة الاتهامات السياسية المتبادلة إلى مسار دولي يقوم على تتبع شبكات الإمداد، ومراقبة الشحنات، وتجميد الأصول، وتشديد ضوابط التصدير، وفرض عقوبات على الأفراد والكيانات المتورطة في تغذية الحرب.
حظر لم يعد يواكب الحرب
اعتبر والتز وبولس أن نظام العقوبات الحالي لم يعد يواكب التحولات التي شهدتها الحرب، إذ يقتصر الحظر المفروض بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1591 على إقليم دارفور، رغم امتداد العمليات العسكرية إلى كردفان والنيل الأزرق ومناطق أخرى بعيدة عن نطاقه الجغرافي.
وأشارا إلى أن الأسلحة والذخائر لا تفقد قدرتها التدميرية بمجرد عبورها الحدود الافتراضية بين دارفور وبقية أقاليم السودان، كما أن شبكات التهريب تكيفت مع القيود القائمة، واستغلت الثغرات الجغرافية لنقل الأسلحة من مناطق غير مشمولة بالحظر.
وقال المسؤولان إن مجلس الأمن أبقى طوال أكثر من 20 عاماً على النطاق الجغرافي نفسه للحظر، بينما تبدلت ساحات القتال وأنواع الأسلحة والجهات الخارجية الموردة لها بصورة جذرية.
وأضافا أن أكثر من 12 دولة، بدوافع مختلفة، تقدم أشكالاً من الدعم العسكري إلى طرفي النزاع، فيما تنشط شبكات دولية في توفير المسيّرات والأسلحة وقطع الغيار والأموال والخبرات والمقاتلين الأجانب، بمن فيهم مرتزقة جرى استقدامهم من كولومبيا.
رقابة على جميع شبكات التسليح
وأكد المسؤولان الأميركيان أن توسيع الحظر لا يمثل انحيازاً إلى أي من طرفي النزاع، لأنه سيشمل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وكل جهة تزود أياً منهما بالأسلحة أو الذخائر.
وانتقدا المواقف التي تحاول إلقاء المسؤولية على تجار ووسطاء من القطاع الخاص، وفي الوقت نفسه تعارض مشروع القرار المصمم لملاحقة هؤلاء تحديداً، مشددين على أن الحكومات التي لا تخفي شيئاً ينبغي ألا تعترض على مساعدة الأمم المتحدة في تحديد قنوات نقل الأسلحة وإغلاقها.
وبموجب المشروع الأميركي، ستتولى الأمم المتحدة مراقبة الانتهاكات، وتحديد الشبكات والجهات التي تنقل الأسلحة، وتوثيق عمليات خرق الحظر. كما سيوفر القرار غطاءً قانونياً واضحاً للدول الأعضاء لاعتراض الشحنات وتجميد الأصول وتشديد الرقابة على الصادرات والتحرك ضد الممولين والمهربين وشبكات الشراء.
وأشار والتز وبولس إلى أن إدارة ترامب بدأت بالفعل فرض عقوبات على أفراد وكيانات متورطة في تجنيد المرتزقة والمقاتلين الأجانب وعمليات شراء الأسلحة وتقديم أشكال أخرى من الدعم للحرب، ودعوا بقية الدول إلى اتخاذ إجراءات مماثلة داخل الأمم المتحدة وخارجها.
المسيّرات توسّع دائرة الموت
ربط المقال الأميركي بين ضرورة توسيع الحظر والتصاعد الحاد في استخدام الطائرات المسيّرة، التي أتاحت لطرفي النزاع تنفيذ هجمات أكثر فتكاً وبكلفة أقل، ووسعت نطاق الاستهداف إلى مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة.
وبحسب الأرقام الواردة في المقال، قُتل ما لا يقل عن 2670 شخصاً، بينهم مدنيون ومقاتلون، في هجمات بالمسيّرات خلال العام الماضي، بزيادة بلغت 600 في المئة خلال عام واحد. كما أودت المسيّرات بحياة أكثر من 1000 شخص خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، وشكلت هجماتها نحو 80% من وفيات المدنيين خلال تلك الفترة.
وطالت هذه الهجمات الأسواق والمستشفيات والمدارس ومسارات المساعدات، فيما اتهم المسؤولان طرفي الحرب بنهب الغذاء والإمدادات وعرقلة وصول المساعدات واستخدامها أداةً للضغط على المدنيين.
رسالة إلى مجلس الأمن
حذر والتز وبولس أعضاء مجلس الأمن الذين يفكرون في معارضة مشروع القرار أو الامتناع عن التصويت عليه من أن ذلك يعني السماح باستمرار تدفق الأسلحة والعنف في السودان.
واعتبرا أن رفض القرار أو تعطيله سيشكل غضاً للطرف عن قصف المستشفيات والأسواق بالمسيّرات، ومنع المساعدات عن الأسر التي تواجه الجوع، واستمرار دفع ملايين السودانيين ثمن الحسابات الجيوسياسية للقوى الخارجية.
وأكد المسؤولان أن الحظر الشامل لا يمثل بديلاً عن وقف الحرب، لكنه يشكل مدخلاً ضرورياً لتقليص قدرة الطرفين على مواصلة القتال، بالتوازي مع هدنة إنسانية اقترحتها واشنطن، وآلية أممية لإيصال المساعدات وتهيئة المجال أمام عملية سلام أوسع.
وقالا إن فرص تغليب الحلول السياسية ستظل محدودة “ما دامت الأسلحة أيسر منالاً من الغذاء في السودان”.
لا شرعية عسكرية بعد الحرب
وفي موقف لافت بشأن مستقبل الحكم، أكد والتز وبولس أن الجيش وقوات الدعم السريع لا يملكان أي حق مشروع في حكم السودان بعد انتهاء الحرب، بعدما ارتكب الطرفان فظائع بحق السودانيين وفقدا أي أساس للادعاء بالشرعية السياسية.
وشددا على أن مستقبل البلاد لا ينبغي أن يؤول إلى الفصيل المسلح الذي يبقى صامداً في نهاية القتال، بل يجب أن يتحدد من خلال حوار مدني مستقل وذي مصداقية، يتيح للسودانيين أنفسهم تقرير مستقبلهم، بعيداً عن هيمنة من يمتلكون السلاح والطائرات المسيّرة.
واختتم المسؤولان مقالهما برسالة حادة إلى القوى الدولية، مؤكدين أن الولايات المتحدة لن تقبل باستمرار انحدار السودان إلى الجحيم عاماً آخر، وأن العالم سيسجل من يقف إلى جانب الشعب السوداني ومن يقف ضده.
