الثلاثاء _25 _أغسطس _2026AH

وفي هذا المناخ، دخل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير المواجهة مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، عقب اقتحام قوات إسرائيلية مركز قلنديا للتدريب المهني في القدس.

وأعقب الاقتحام تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالعمل ضد الوكالة “بكل الوسائل المتاحة”، مؤكدا أن حكومته لن تسمح لها بمواصلة نشاطها داخل إسرائيل.

لكن استهداف مركز مهني يستقبل نحو 350 طالبا فلسطينيا سنويا يتجاوز المبنى والخدمات التي يقدمها، ليرتبط بملف اللاجئين الفلسطينيين، وبصراع طويل على الذاكرة والرواية، فضلا عن الحسابات الأيديولوجية والانتخابية داخل إسرائيل.

شاهد على النكبة

يرى الخبير في الشؤون الأمنية والسياسية عدنان ضميري، خلال حديثه إلى “رادار” على سكاي نيوز عربية، أن حكومة نتنياهو أعلنت صراحة رغبتها في إنهاء وجود الأونروا والمخيمات الفلسطينية لأسباب أيديولوجية.

وقال ضميري إن “مجرد وجود الأونروا، بعيدا عن كل الاتهامات الإسرائيلية، هو شاهد على النكبة عام 1948، وعلى اللجوء الفلسطيني، وما حل بالشعب الفلسطيني من مجازر وتهجير على يد العصابات الصهيونية”.

وأضاف أن الوكالة ظلت تمثل عنصرا مناقضا للرواية الإسرائيلية التي قامت، بحسب قوله، على مقولة إن فلسطين “أرض بلا شعب”، مشيرا إلى أن تفكيك هذه الرواية استغرق عقودا من النضال الفلسطيني، وصولا إلى حضور الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على منصة الأمم المتحدة.

وشدد ضميري على أن وجود اللاجئين وما وقع عام 1948 يمثلان حقيقة تاريخية لا يمكن لإسرائيل التنصل منها.

كما ربط بين اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين عام 1995، بعد توقيعه اتفاق أوسلو واعترافه بحقوق الفلسطينيين، وبين طبيعة اليمين الحاكم حاليا، معتبرا أن غالبية الإسرائيليين تتبنى فكرة “أرض الميعاد” وتنفي حق الفلسطينيين فيها.

من الانتقاد إلى التشريع

في المقابل، قدم كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي يوحنان تسوريف قراءة مختلفة، موضحا أن الأونروا تواجه انتقادات إسرائيلية واسعة منذ سنوات.

وقال تسوريف إن الادعاء الإسرائيلي الأساسي يتمثل في أن الوكالة “تكرس قضية اللاجئين وتمنع التوصل إلى حل”، ولذلك تنظر إليها أطراف إسرائيلية باعتبارها عقبة أمام اتفاق نهائي.

وبحسب تسوريف، شكلت أحداث السابع من أكتوبر نقطة تحول، إذ منحت الاتهامات الإسرائيلية بشأن علاقة موظفين في الوكالة بحركة حماس الحكومة مبررا لاتخاذ إجراءات عملية ضدها.

وفي أكتوبر 2024، أقر الكنيست تشريعين يحظر أحدهما نشاط الأونروا داخل ما تعده إسرائيل أراضي خاضعة لسيادتها، بينما يمنع الآخر الجهات الحكومية الإسرائيلية من التواصل مع الوكالة أو ممثليها. ويرى تسوريف أن الإجراءات الأخيرة تأتي في إطار تطبيق هذين القانونين.

لكنه حذر من اعتبار تلك السياسات معبرة عن جميع الإسرائيليين، قائلا إن وصول شخصيات متطرفة إلى مواقع مؤثرة أتاح لها اتخاذ خطوات قد تضر بمستقبل إسرائيل، بالنظر إلى ردود الفعل الدولية والفلسطينية المتوقعة.

وقود انتخابي

يقدم ضميري قراءة أكثر حدة، معتبرا أن “الدم الفلسطيني” يتحول إلى وقود في الانتخابات الإسرائيلية، وأن الاعتداء على الفلسطينيين قد يُستخدم وسيلة لتحقيق مكاسب انتخابية.

كما تحدث عن تسليح المستوطنين وتوفير الحماية لهم، معتبرا أن الجيش الإسرائيلي ينفذ سياسة الحكومة ولا يمكن فصله عن ممارسات المستوطنين في الأراضي الفلسطينية.

في المقابل، أكد تسوريف أن معارضة هذه السياسات لا تقتصر على أقلية، مشيرا إلى وجود انتقادات داخل الصحافة والمؤسسة العسكرية وأوساط إسرائيلية مختلفة.

ولفت إلى أن استطلاعات الرأي تمنح المعارضة تقدما مستمرا، رغم أن جزءا كبيرا منها محسوب على اليمين. لكنه رأى أنها أكثر استعدادا لمناقشة القضايا السياسية والحفاظ على الديمقراطية وحرية التعبير.

واستشهد بمواقف غادي أيزنكوت ونفتالي بينيت بشأن إزالة البؤر الاستيطانية التي لا تستند إلى أساس قانوني، معتبرا أنها قد تفتح مجالا للتعاون، رغم بقاء مفاوضات الحل النهائي بعيدة.

كما رأى تسوريف أن نتائج الحرب قد تؤثر في التنافس بين فتح وحماس، إذ تمنح ما وصفه بفشل حماس حركة فتح فرصة لتأكيد أن موقفها كان أكثر صوابا في الخلاف السياسي الممتد بين الطرفين.

وبين الروايتين، يبقى اقتحام مركز قلنديا أبعد من إجراء ضد منشأة تعليمية، إذ يعكس انتقال المواجهة مع الأونروا من مستوى الانتقاد السياسي إلى التشريع والتنفيذ الميداني، في وقت تتزايد فيه رهانات القوى الإسرائيلية على الملفات الفلسطينية مع اقتراب الانتخابات.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version