ووفق أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، يواجه نحو 90 بالمئة من سكان القطاع انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة وموثوقة للشرب والطهي والنظافة.
وتزداد صعوبة الوصول إلى المياه في ظل استمرار الحاجة إلى الوقود وقطع الغيار والمواد اللازمة لتشغيل مرافق المياه، بينما أصبح نقل المياه بالشاحنات جزءا أساسيا من منظومة الإمداد في القطاع.
وبحسب “أوتشا”، كان نحو 75 بالمئة من سكان غزة في نهاية يوليو الماضي يعتمدون على نقل المياه بالشاحنات باعتباره المصدر الأساسي لمياه الشرب، فيما كانت 65 جهة تنقل يوميا نحو 20850 مترا مكعبا من مياه الشرب إلى أكثر من 2600 نقطة لتجميع المياه.
في هذه الأرقام الكبيرة، تظهر تفاصيل الأزمة في حياة أشخاص مثل إنعام المقيّد وياسر عبد ربه، اللذين تبدأ يومياتهما بالبحث عن كمية محدودة من الماء لاتكفي لسد احتياجهما.
4 جالونات ورحلة يومية
في خيمة نزوحها وسط قطاع غزة، تبدأ إنعام يومها بأربعة جالونات فارغة، تضعها على كرسي متحرك تعتمد عليه في تنقلها، ثم تخرج بحثا عن المياه.
المرأة النازحة من شمال القطاع تعاني ارتفاع ضغط الدم والسكري ومشكلات في القلب، لكنها تقول إنها لا تجد من يساعدها في تعبئة المياه.
تقطع مسافة بعيدة إلى نقطة يمكن أن يصل إليها صهريج المياه، ثم تعود بالجالونات التي تمكنت من تعبئتها.
تقول إنعام لـ”سكاي نيوز عربية” إن رحلة الحصول على المياه مرهقة بالنسبة إليها، خصوصا مع حالتها الصحية، وإن الكرسي المتحرك أصبح وسيلتها للوصول إلى نقطة المياه والعودة منها.
وتضيف: “أنا مريضة ضغط، مريضة سكر، مريضة قلب. أنا امرأة كبيرة لا أستطيع، لا أحد عندي يساعدني في تعبئة المياه”.
لكن المشقة ليست وحدها ما يطبع علاقتها بالماء، فالوصول غير المنتظم للصهاريج جعل وصول إحداها مناسبة ينتظرها سكان المخيم.
وأوضحت: “نفرح عندما تأتينا شاحنة لنعبئ المياه. الكل يفرح. كل المخيم يفرح للمياه عندما تأتينا”.
20 لترا لأسرة من 4 أفراد
وفي غرب مدينة غزة، يعيش ياسر عبد ربه تجربة أخرى مع النقص نفسه.
كل صباح، يخرج من خيمة نزوحه غربي مدينة غزة حاملا بعض جالونات المياه الفارغة، وتصطحبه طفلتاه لمساعدته في الطريق.
نحو 500 متر يقطعها الثلاثة للوصول إلى أقرب نقطة يمكن أن يصل إليها صهريج مياه، في رحلة تتكرر يوميا للحصول على ما يتيسر من مياه الشرب.
ويقول ياسر لـ”سكاي نيوز عربية” إن الأسرة، المكونة من 4 أفراد، لا تحصل في اليوم الواحد إلا على نحو 20 لترا من المياه.
هذه الكمية توزع بين الشرب والطهي والاستحمام واستخدامات أخرى، بينما يحتاج أطفاله إلى المياه بشكل يومي.
ويتابع: “20 لتر من خلال 30 جالونات أقسمهم لأغراض الاغتسال والحمام والطهي والشرب. أنا أحتاج يوميا ما يقرب من 150 لتر، لا أستطيع توفيرها”.
حين يصبح الصهريج جزءا من منظومة المياه
ما يعيشه إنعام وياسر لا يمثل حالة فردية، بل يأتي في ظل اعتماد واسع على نقل المياه لتغطية النقص الناجم عن تضرر البنية التحتية للمياه.
وتشير بيانات “أوتشا” إلى أن معظم الأسر في غزة واجهت خلال الأشهر الماضية صعوبة في الوصول إلى الحد الأدنى الإنساني من المياه، بينما أدى نقص الوقود والزيوت وقطع الغيار والمواد التشغيلية إلى تقليص قدرة الآبار ومحطات الضخ على العمل.
وفي هذا السياق، يقول مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة محمد صالحة، لـ”سكاي نيوز عربية”، إن 9 من كل 10 مواطنين يواجهون صعوبة كبيرة في الوصول إلى مياه الشرب المفلترة.
ويشير صالحة إلى أن ارتفاع أسعار الزيوت المعدنية وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مولدات الآبار أدى إلى توقف عدد من الآبار ومحطات الضخ، خصوصا في غزة وشمال القطاع وخان يونس.
ويقول إن تكلفة تغيير زيت مولد واحد قد تصل إلى نحو 15 ألف دولار، في ظل وصول سعر لتر الزيت المعدني، بحسب تقديره، إلى نحو ألف دولار.
وتبقى هذه الأرقام منسوبة إلى الجهة المحلية التي قدمتها، بينما تؤكد تقارير الأمم المتحدة بصورة مستقلة استمرار مشكلة نقص الوقود وقطع الغيار والزيوت اللازمة لتشغيل مرافق المياه.
9 صهاريج جديدة
وسط هذه الأزمة، تسلمت مصلحة مياه وبلديات الساحل 9 صهاريج جديدة لمياه الشرب قدمتها عملية “الفارس الشهم 3″، بمساهمة من جمعية دار البر وجمعية الفجيرة الخيرية.
وجرى تسليم الصهاريج خلال مؤتمر صحفي في مقر المصلحة في دير البلح وسط القطاع، حضره ممثلون عن مؤسسات محلية ودولية، ورؤساء بلديات ومخاتير ووجهاء، إلى جانب وسائل الإعلام.
وبحسب عملية “الفارس الشهم 3″، تهدف الصهاريج إلى تعزيز قدرة الجهات المحلية على نقل المياه وتوزيعها في المناطق التي تحتاج إليها، خصوصا المخيمات التي تعتمد على مصادر مياه متنقلة.
وتقول العملية إن هذه الدفعة ترفع إجمالي عدد الصهاريج التي قدمتها منذ أكتوبر 2023 إلى 50 صهريجا.
ويقول نائب مدير عام مصلحة مياه بلديات الساحل عمر شتات لـ”سكاي نيوز عربية”، إن الصهاريج التسعة جاءت في توقيت تحتاج فيه المخيمات إلى مزيد من وسائل نقل مياه الشرب.
ويضيف أن الدفعة الجديدة يمكن أن يستفيد منها نحو 40 ألف شخص، مشيرا إلى أن الصهاريج ستعزز قدرة المصلحة على توزيع المياه في مناطق مختلفة.
من الصهاريج إلى التحلية
لكن الاستجابة الإماراتية لقطاع المياه في غزة لا تقتصر على الصهاريج.
ففي ديسمبر 2023، أنشأت الإمارات 6 محطات لتحلية المياه في مدينة العريش المصرية، بطاقة إنتاجية إجمالية بلغت عند افتتاحها 1.2 مليون غالون يوميا لتصل بعد ذلك لنحو مليوني غالون، بهدف توفير المياه المحلاة ودعم إمدادات القطاع.
وفي أغسطس 2025، بدأ تشغيل خط ناقل للمياه من محطات التحلية الإماراتية في العريش إلى منطقة المواصي في خان يونس، لنقل المياه المحلاة إلى سكان المناطق الجنوبية.
وتقول الإمارات إن المشروع صمم لتوفير المياه لنحو 700 ألف نازح، ضمن استجابة أوسع لأزمة المياه.
كما نفذت عملية “الفارس الشهم 3” خلال الفترة الممتدة من يوليو وأغسطس 2024 وما بعدها مشاريع لإصلاح وتأهيل آبار وخطوط وشبكات مياه متضررة في محافظات مختلفة من القطاع، في محاولة لإعادة تشغيل أجزاء من منظومة المياه التي تضررت خلال الحرب.
ويقول مسؤول اللجنة الإعلامية لعملية “الفارس الشهم 3” شريف النيرب لـ”سكاي نيوز عربية”، إن تقديم الصهاريج التسعة يمثل استمرارا لمساعدات سابقة في قطاع المياه، وليس المرة الأولى التي تقدم فيها العملية صهاريج لمصلحة الجهات المحلية.
شبكة مائية
وبالنسبة إلى مصلحة مياه بلديات الساحل، لا تمثل الصهاريج بديلا عن الشبكات والآبار، بقدر ما توفر وسيلة إضافية للوصول إلى السكان في المناطق التي لا تستطيع فيها المنظومة التقليدية تلبية الاحتياجات.
ويقول شتات إن عملية “الفارس الشهم 3” قدمت للمصلحة في وقت سابق نحو 28 شاحنة نقل مياه مماثلة لتخدم مجموع الصهاريج المقدمه من دولة الإمارات ما يقرب من 400 الف نسمه، مضيفا أن الدعم شمل أيضا مشاريع في قطاعي المياه والصرف الصحي.
ومن بين هذه المشاريع خط المياه الناقل الذي يقول شتات إنه يخدم نحو 700 ألف نازح.
وتأتي هذه المشاريع في وقت تشير فيه بيانات الأمم المتحدة إلى أن منظومة المياه في غزة لا تزال تعمل تحت ضغط كبير، بين تضرر البنية التحتية ونقص مستلزمات التشغيل والحاجة إلى نقل المياه إلى أماكن تجمع السكان والنازحين.
الماء الذي ينتظره الجميع
بالنسبة إلى إنعام، لا تبدو هذه المشاريع في صورة أرقام أو بنية تحتية.
هي 4 جالونات تضعها على كرسيها المتحرك، ومسافة تقطعها بحثا عن المياه، وصهريج تتمنى أن يصل قبل أن تضطر إلى العودة خالية اليدين.
وبالنسبة إلى ياسر، هي رحلة صباحية مع طفلتيه، تنتهي بما يكفي، أو لا يكفي، لأسرة من 4 أفراد.
أما في المخيم، فتظل لحظة وصول الصهريج مختلفة، لأن الماء الذي يصل إلى نقطة التوزيع لا يملأ الجالونات فقط، بل يخفف انتظارا يتكرر كل يوم.
في غزة، قد يبدأ طريق الماء من صهريج، لكن استمرار الوصول إليه يظل مرتبطا بقدرة منظومة كاملة على العمل.
