الخميس _29 _يناير _2026AH
تم النشر في: 

في مطلع الألفية الجديدة، ومع التحولات المتسارعة التي أحدثها الإعلام الرقمي، اتجهت دول عديدة إلى الاستثمار في الملتقيات الإعلامية بوصفها أدوات للتأثير وبناء السرديات. وفي تلك المرحلة، واجه الإعلاميون السعوديون تحديًا حقيقيًا في العثور على ملتقيات تعبّر عن هويتهم المهنية وتستوعب تطلعاتهم، فكان الحضور السعودي مشتتًا بين دول متجاورة، بحثًا عن مساحة تتيح الوجود والتأثير. وكثيرًا ما سعى الصحفيون والعاملون في الحقل الإعلامي إلى إثبات حضورهم، غير أنهم اصطدموا بتكتلات إعلامية عابرة للحدود، بدت وكأنها تحاول حصر الإعلام السعودي ضمن أطر محددة، وإبقائه خاضعًا لأجندات لا تعكس أولوياته ولا مصالحه. وقد أسهم هذا الواقع في ضياع كثير من الجهود داخل المنتديات العربية، وفي توجيه الخطاب الإعلامي بما يخدم مصالح أخرى على حساب الصوت السعودي.

ومع تبلور فكرة المنتدى الإعلامي السعودي، بدأ المشهد يتغير، وتنفس الإعلاميون السعوديون الصعداء؛ إذ بات واضحًا أن صناعة الحدث أصبحت نابعة من الداخل، وأن قيادة المشهد الإعلامي في المنطقة، على أقل تقدير، يجب أن تكون بأيدٍ سعودية. وكأن سنوات التيه قد انقضت، لتستقيم البوصلة من جديد وتتجه بثبات نحو الرياض، بوصفها مركزًا مؤهلًا لاحتضان الحوار الإعلامي وصناعة الرؤى المستقبلية.

وفي هذا السياق، وخلال الفترة من 2 إلى 4 فبراير 2026، وتحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله – ينعقد المنتدى الإعلامي السعودي باعتباره حدثًا وطنيًا واستراتيجيًا يجسد المكانة المتقدمة التي وصل إليها الإعلام السعودي، ويعكس الدور المتنامي الذي يضطلع به في تشكيل الخطاب الإعلامي المعاصر، محليًا وإقليميًا ودوليًا. ويأتي هذا المنتدى تأكيدًا على أن الإعلام السعودي لم يعد يبحث عن منصة تمثله، بل أصبح يمتلك منصته، ويصوغ من خلالها رؤيته، ويشارك بفاعلية في رسم ملامح المستقبل الإعلامي للمنطقة.

ويمثل هذا المنتدى محطة فارقة في مسيرة الإعلام بالمملكة؛ فبعد سنوات طويلة كان فيها الإعلاميون السعوديون يبحثون عن المنتديات الإعلامية الكبرى خارج الحدود، ويتطلعون إلى منصات دولية تحتضن أفكارهم وطموحاتهم وتتيح لهم التفاعل مع التجارب العالمية، أصبح اليوم المشهد مختلفًا تمامًا. فقد بات الإعلام السعودي يمتلك منتداه الخاص، الذي يواكب التحولات المتسارعة في الصناعة الإعلامية، ويستجيب لطموحات العاملين في مجال الإعلام، ويضعهم في قلب النقاشات المهنية والفكرية والابتكارية.

لقد عانى الإعلام السعودي في مراحل سابقة من محدودية اللقاءات المتخصصة التي تجمع الممارسين والباحثين وصناع القرار في فضاء مهني واحد، وكانت الكثير من الطاقات تضطر إلى التوجه نحو منتديات خارجية بحثًا عن المعرفة، أو فرص التواصل، أو الاطلاع على أحدث الاتجاهات. أما اليوم، فإن المنتدى الإعلامي السعودي يأتي ليؤكد أن المملكة لم تعد متلقية للتجارب الإعلامية، بل أصبحت صانعة لها، ومؤثرة في مساراتها، ومبادِرة في تطوير أدواتها وأطرها الفكرية والمهنية.

ولا تتوقف قيمة المنتدى عند حد التنظيم أو الحضور، بل تتجسد في رمزيته؛ فهو يعكس ثقة القيادة في العاملين في قطاع الإعلام، وإيمانها بدور الإعلام كرافعة للتنمية، وأداة لبناء الوعي، وجسر للتواصل مع العالم. كما يؤكد أن المنتديات الإعلامية لم تعد ترفًا مهنيًا، بل ضرورة استراتيجية لتطوير القطاع، وصناعة قيادات إعلامية قادرة على الابتكار، والتأثير، وصياغة سردية وطنية متزنة ومقنعة. إن المنتدى الإعلامي السعودي، ومثله من المنتديات المتخصصة، يشكل اليوم فرصة جميلة وناضجة لإعادة تعريف المهنة، وتعزيز روح الانتماء المهني، وترسيخ ثقافة الحوار والتجديد، في زمن أصبح فيه الإعلام عنصرًا محوريًا في تشكيل المستقبل.

بقي القول، سنكون سعدا كعاملين في المجال الإعلامي السعودي بهذه الرعاية الملكية لهذا الملتقى الإعلامي الذي يرسخ تفوق السعوديين في صناعة الإعلام وتوجيهه وتنمية الاستثمار فيه، بما يفتح آفاقاً واسعة لإعلام ينهض بدوره الأصيل. كما يبرهن هذا الملتقى أنه غدا وجهة إقليمية ودولية للعاملين في حقل الإعلام. مرحباً بكل مهني في مجال الإعلام في وطنه الثاني المملكة العربية السعودية، ووداعاً لكل تشتت كان يرهق كل مهني في الحقل الإعلامي السعودي سابقاً وطويلاً الأمد.

صحفي وأكاديمي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version