الأحد _25 _يناير _2026AH
تم النشر في: 

قبل أيام كتبت تغريدة قلت فيها:

“حين اختُرع المسدس تساوى الجبان مع الشجاع..

وحين اختُرع تويتر تساوى الوضيع مع الرفيع..

وحين اختُرع جوجل تساوى الجاهل مع المثقف..

وحين اختُرع الذكاء الاصطناعي تساوى المبدع مع قليل الحيلة.. فمرحباً بكم في عصر الفوضى الفكرية”.

مرحباً بكم في عصر التسطح والمساواة المزيفة..

مرحباً بكم في عصر النسخ والتفيهق والسرقات المعرفية..

فمنذ خُلق الله الإنسان كان التميز البشري إما نتاج جهد حقيقي، أو تراكم معرفي، أو موهبة صُقلت بمرور العمر . لكن التقدم التكنولوجي الأخير قلب قواعد اللعبة وأصبح يقدم مهارات جديدة وادوات مختلفة..

فالأدوات الذكية التي يقدمها لنا لم تكتفِ بتسهيل الحياة، بل ازالت ظاهريا الفوارق الفكرية بين البشر (حتى وصلنا إلى ما يمكن تسميته بعصر الفوضى المعرفية)…

دعونا نعود إلى عام 1835 حين اخترع صامويل كولت المسدس.. وقتها قالت الصحافة انتهى عصر الشجاعة لأن الله خلق البشر متفاوتين ولكن كولت جعلهم متساويين .. فالفارس الشجاع الذي تدرب على الفنون القتالية، لم يعد يتفوق على الجبان الذي يمكنه ضغط الزناد من بعيد.

واليوم، نرى نفس المفارقة في منصات التواصل الاجتماعي؛ ففي تويتر مثلاً (أو منصة إكس) تساوى الوضيع مع الرفيع، وأصبح بإمكان الجميع التطاول على قامات فكرية وأدبية قضت عمرها في البحث والتأليف. تسطّح الهرم وذاب الاحترام وتحولت الكلمة إلى مجرد “ضجيج” لا تعرف من بدأ فيه أولاً.

سبق وشاهدت مقابلة مع المفكر السعودي إبراهيم البليهي قال فيها (ما معناه): “حين دخلت تويتر ظننت أنني وجدت مدخلاً لتنوير الآخرين، ولكنني اكتشفت أنه تحول إلى مدخل ضدي يحمل التطاول والتهجم والاتهامات الجائرة…”

أما الشيخ “جوجل” فأتى ليطلق رصاصة الرحمة على المثقف الموسوعي ويعلن ولادة المرتزق المعرفي. بفضله، لم يعد الجهل عائقاً، لكنه أيضاً لم يعد محفزاً للقراءة الجادة والبحث العميق. فبضغطة زر يجمع الجاهل معلومات يظنها معرفة، بينما هي مجرد بيانات معلبة لا يفهم أبعادها ولا يجيد استخدامها.. وهكذا، تساوي من سهر الليالي (طلباً للعلا) مع من دخل محرك البحث ولم يكلف نفسه حتى مقارنة النتائج!!

وفي نوفمبر 2022 ظهر (ChatGPT) لأول مرة فوصلنا إلى ذروة المساواة المزيفة؛ فمع ظهور الذكاء الاصطناعي تساوى المبدع الموهوب مع “قليل الحيلة” الذي يستخدم الآلة ليخلق نصاً أو لوحة، أو حتى فيلماً ومعزوفة موسيقية. سحب الذكاء الآلي صفة التفرد من المبدع (رغم أنه هو الأصل الذي يحاكيه)، وقتل في الابداع ميزة الأصالة واللمسة الإنسانية…

الحقيقة (التي لن يهتم بها احد) هي أن الأدوات التقنية تمنح الجاهل والعاجز “القشرة” وليس الأستثنائية والقدرة على الإبداع. فكما أن المسدس يمنحنا القوة لا الشجاعة، يمنحنا تويتر المنبر لا الرقي.. يمنحنا جوجل المعلومة لا الثقافة.. ويمنحنا الذكاء الاصطناعي النتيجة لا الموهبة والعبقرية..

الأدوات الذكية تمنح الجاهل والعاجز مظاهر سطحية، ولكنها تمنح المبدع والمثقف وسائل غير اعتيادية للتوسع والتفرع والذهاب لمناطق أبعد …

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version