الأثنين _24 _أغسطس _2026AH

وبينما يبحث بعض الشباب والفتيان عن بقايا الأشجار والأخشاب في المناطق المدمرة، يفضّل آخرون جمع الكرتون والنايلون من الشوارع ومخلفات المطاعم، خشية الذهاب إلى مناطق قريبة من “الخط الأصفر”، إذ تقول شهادات سكان إن خطر إطلاق النار والاستهداف لا يزال قائما.

في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تبدأ عطاف حمدان الأم لثلاثة أطفال، رحلة مختلفة كل عدة أيام، إذ تعود إلى محيط منطقة “جحر الديك” الغربية، حيث كانت تقيم قبل النزوح، بحثا عن الحطب وبقايا الأشجار والأخشاب والعشب اليابس.

وتقول عطاف إن الحاجة تدفعها إلى العودة رغم الخوف، موضحة أنها تجمع الحطب لاستخدامه في طهي الطعام داخل خيمتها، فيما تبيع جزءاً منه في السوق لتوفير احتياجات أطفالها.

 ويصل سعر كيلو الحطب، بحسب ما تذكر، إلى نحو 10 أو 11 شيكلاً (3.5 دولارات)، خصوصا حطب أشجار الزيتون والحمضيات.

ولا تخفي عطاف حجم المخاطر التي تواجهها خلال عملها، إذ سبق أن أصيبت امرأة كانت ترافقها أثناء جمع الحطب، في المنطقة التي تقترب من الخط الأصفر.

تذهب عطاف للتحطيب بين 3 و 4 أيام أسبوعيا، وفي كل مرة تغادر فيها خيمتها تودع أطفالها الثلاثة، مدركة أن رحلة البحث عن وقود للطهي قد تتحول إلى رحلة بلا عودة.

وتقول لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن الحرب لم تترك لها الكثير من الخيارات، بعدما فقدت زوجها و2 من أشقائها خلال الحرب، وكانت قد فقدت والديها في وقت سابق.

مناطق شديدة الخطورة

 برهم خليل قديح، (39 عاما)، من عبسان الكبيرة شرقي خان يونس، فقد اضطر هو الآخر إلى تغيير طريقة جمع الوقود بعد أن أصبحت المناطق القريبة من “الخط الأصفر” شديدة الخطورة.

النازح المقيم في خيمة بمواصي خان يونس، كان يذهب برفقة آخرين إلى تلك المناطق لجمع الحطب وبقايا المنازل والمباني والأخشاب والعشب اليابس، قبل أن يتوقف عن ذلك، وفق شهادته لموقع “سكاي نيوز عربية”، بعد تعرض المجموعة لإطلاق نار ومقتل عدد من الشبان الذين كانوا يرافقونه.
اليوم، يبدأ برهم يومه في الشوارع والمحلات والبسطات بحثا عن الكرتون والنايلون. يجمع ما يستطيع من الصباح حتى الظهر، ثم يعود للعمل من العصر حتى المغرب.

ولا يقتصر الأمر على الكرتون والنايلون، إذ يستفيد أحيانا من بقايا زيوت ومخلفات مطاعم الفلافل لإشعال النار.

يقول كرم إن انعدام الغاز وارتفاع أسعاره، إلى جانب توقف فرص العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية، دفعه إلى هذه المهنة، موضحا أن ما يجمعه يستخدمه لطهي الطعام وتلبية احتياجات أسرته المكونة من ستة أفراد.

مواجهة الموت
وفي حالة أخرى، لم يعد الخطر يقتصر على رب الأسرة، فتامر أبو عاصي، من منطقة الشرقية في خان يونس، نزح مرات عدة خلال الحرب، وأصيب بطلقين ناريين في قدميه في سبتمبر 2025 أثناء محاولته الحصول على مساعدات، ولا يزال يعتمد على المشاية بسبب إصابته ووجود صفائح معدنية في إحدى قدميه.

ويقول تامر (37 عاما) لسكاي نيوز عربية، إن طفليه، جمعة وفادي، البالغين من العمر 8 و10 سنوات، قتلا في نوفمبر 2025 أثناء جمعهما الحطب، بعدما استهدفتهما طائرة إسرائيلية مسيرة، وفق روايته.

ويعيش تامر حاليا مع زوجته وابنتيه في خيمة داخل منطقة سجن أصداء غرب خان يونس، في ظل ظروف نفسية وصحية صعبة، بينما تعاني الأسرة من غياب مصدر دخل ثابت.

وتضطر ابنته ملك، البالغة 7 سنوات، إلى جمع الكرتون والنايلون من الشوارع للمساعدة في إشعال النار وإعداد الطعام والشاي، في مشهد يعكس انتقال عبء تأمين أبسط الاحتياجات اليومية إلى الأطفال أنفسهم.

وبعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، لم تنتهِ المخاطر المرتبطة بالبحث عن الحطب. وبحسب شهادات سكان وعاملين في هذا المجال، قُتل وأصيب عدد من الشبان والأطفال أثناء جمع الحطب في مناطق قريبة من الخط الأصفر.

ومع تصاعد المخاطر، أصبحت الشوارع ومكبات النفايات وجهة بديلة للعائلات الباحثة عن أي مادة قابلة للاشتعال، من الكرتون والنايلون إلى بقايا الأخشاب ومخلفات المطاعم.

في غزة، لم يعد الحطب مجرد وقود، بل بات جزءا من اقتصاد الحرب، ووسيلة للبقاء في ظل غياب الغاز وارتفاع أسعار الوقود.
لكن وراء كل حزمة حطب يحملها شخص عائداً إلى خيمته، قصة عائلة تنتظر الطعام، وأطفال ينتظرون عودة أحد والديهم، ومخاوف من أن تتحول رحلة البحث عن وسيلة لإشعال النار إلى مأساة جديدة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version