الأربعاء _12 _أغسطس _2026AH

إنه “الشوكوبان”، أو خبز الحليب الياباني، الذي أصبح أحدث صيحات الطعام في بريطانيا، في قصة تكشف كيف لم تعد منصات التواصل تكتفي بتغيير ما يشاهده الناس أو يرتدونه، بل باتت تؤثر أيضا في ما يضعونه على موائدهم.

وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن مقاطع خبز الحليب الياباني حصدت ملايين المشاهدات وآلاف التعليقات والمشاركات على تيك توك، مدفوعة بصور الأرغفة الذهبية وملمسها شديد الطراوة، قبل أن تنتقل الظاهرة من شاشات الهواتف إلى المخابز والمطاعم والمتاجر البريطانية.

من الهاتف إلى عربة التسوق

والأرقام تكشف حجم الظاهرة، فبحسب سلسلة متاجر “ويتروز” البريطانية، قفزت عمليات البحث عن “خبز الحليب الياباني” على موقعها الإلكتروني بنسبة 617 بالمئة خلال شهر واحد، فيما ارتفعت مبيعاته بنسبة 27 بالمئة خلال الفترة نفسها.

ووصفت إيميلي وولفمان، المسؤولة عن تطوير المنتجات العالمية في “ويتروز”، صعود خبز الحليب بأنه أحد أكثر الاتجاهات الغذائية إثارة التي انتقلت من منصات التواصل إلى المطابخ السائدة، مشيرة إلى أن انتشاره لا يعود إلى المقاطع المصورة وحدها، بل ساهمت فيه أيضًا مطاعم البرغر الشهيرة والمخابز الآسيوية في لندن.

وباتت مطاعم بريطانية تستخدم الأرغفة الطرية في تقديم البرغر والدجاج المقلي، بينما ظهرت نسخ أخرى محشوة بمكونات حلوة ومالحة.

لكن ماذا يوجد في هذا الخبز ليجعله مختلفا؟

لماذا يبدو كقطعة من القطن؟

يتميز الشوكوبان بقوام شديد النعومة ونكهة حليبية خفيفة، ويعود بشكله الحديث إلى تقاليد الخَبز اليابانية التي تطورت خلال القرن العشرين بعدما عدل الخبازون اليابانيون تقنيات أوروبية لتناسب الأذواق المحلية.

ويعتمد جانب من سر قوامه على تقنيات خاصة في إعداد العجين تساعد الدقيق على الاحتفاظ بكمية أكبر من الرطوبة، ليبقى الخبز ناعمًا وخفيفًا.

وقال الطاهي البريطاني تيم أندرسون، الفائز سابقا ببرنامج “ماستر شيف”، إن خبز الحليب في اليابان ليس وصفة واحدة، إذ توجد منه أنواع تتراوح بين الخبز ذي المذاق الحليبي الخفيف والحلو، وأنواع أغنى تحتوي على البيض والزبدة والقشدة والعسل.

ولا تجذب هذه الأرغفة المستهلكين فقط، بل تجد طريقها أيضًا إلى مطابخ الطهاة.

ويقول الطاهي توماس غورملي، صاحب مطعم “كاردينال” في اسكتلندا، إن سهولة وسرعة إعداد خبز الحليب تمنحه ميزة في المطاعم مقارنة ببعض أنواع الخبز التي تحتاج إلى فترات تخمير طويلة، كما أنه يحتوي عادة على كمية أقل من الزبدة مقارنة بالبريوش الفرنسي.

اليابان تعرف كيف تأكل الكاميرا

لكن نجاح الشوكوبان البريطاني يروي قصة أكبر من مجرد رغيف.

فالمطبخ الياباني يمتلك خصائص تجعله مناسبا بصورة استثنائية لعصر منصات التواصل: الألوان، وطريقة التقديم، والقوام، والتفاصيل الدقيقة، واللحظة التي يمكن تحويلها بسهولة إلى مقطع قصير مثير للشهية.

ويقول مايكل بوث، مؤلف كتابين عن الطعام الياباني، إن التركيز الكبير على الشكل والجماليات في المطبخ الياباني جعله متناغما بصورة طبيعية مع منصات التواصل، مشيرا إلى أنه شاهد في كيوتو قبل سنوات مطاعم تصمم طريقة تقديم أطباقها بما يجعلها جذابة للتصوير والمشاركة.

ولهذا، لم يكن خبز الحليب أول طعام ياباني تعشقه الخوارزميات.

فقد سبقته الفطائر اليابانية شديدة الانتفاخ، والكريب، والسندويشات المقلية، إلى جانب سندويشات الفاكهة التي تجمع قطع الفاكهة الطازجة والقشدة بين شريحتين من خبز الحليب الأبيض، وتحولت بدورها إلى مادة شديدة الانتشار على المنصات.

وينعكس الاهتمام بالمطبخ الياباني على منتجات أخرى أيضًا، إذ قالت “ويتروز” إن مبيعات معجون الرامن من علامة “ميسو تايستي” ارتفعت بنسبة 41 بالمئة مقارنة بالعام السابق، فيما زادت مبيعات معجون الحساء من العلامة نفسها بنسبة 22 بالمئة.

عندما تحدد الخوارزمية ما نأكله

تكمن أهمية قصة الشوكوبان في أنها تقدم نموذجا لكيفية صناعة اتجاه غذائي في عصر المنصات الرقمية.

فلم يعد طبق الطعام يحتاج إلى حملة إعلانية ضخمة أو طاهٍ عالمي كي يعبر الحدود. قد يبدأ الأمر بمقطع لا يتجاوز عدة ثوانٍ، ثم تتضاعف المشاهدات وعمليات البحث، قبل أن تلتقط المتاجر والمطاعم الإشارة وتضع المنتج على رفوفها وقوائمها.

وفي حالة خبز الحليب الياباني، تبدو المعادلة مثالية: منتج بسيط، ومظهر جذاب، وقوام يمكن إظهاره بوضوح أمام الكاميرا، وطريقة تقديم تمنح صناع المحتوى اللقطة التي يبحثون عنها.

وهكذا، قطع رغيف كان مألوفًا على موائد اليابانيين رحلة طويلة من مخابز طوكيو إلى هواتف البريطانيين، ثم إلى متاجرهم ومطاعمهم.

وفي عصر تتحكم فيه الخوارزميات بما يصل إلى ملايين الشاشات، قد لا يكون السؤال عن الطعام الرائج المقبل هو: ماذا يريد الناس أن يأكلوا؟ بل: ما الطبق الذي ستقرر منصات التواصل أن تجعلهم يشتهونه؟.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version