الأربعاء _26 _أغسطس _2026AH

ويرى الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي أن المرحلة الراهنة تمثل حلقة في استراتيجية أميركية تبدأ بالحصار والإضعاف والإنهاك، وقد تنتهي بعمل عسكري إذا فشل الضغط الاقتصادي في دفع إيران إلى الاستجابة للمطالب الأميركية.

وتأتي هذه القراءة بالتزامن مع إطلاق واشنطن حملة عقوبات جديدة تستهدف شبكات إيران المالية والتجارية وشركاءها الدوليين، بما يشمل قطاعات النفط والشحن والذهب والتكنولوجيا والعملات الرقمية، وفق ما أعلنته وزارة الخزانة الأميركية.

الحصار قبل الخيار العسكري

قال العزاوي، خلال حديثه إلى “التاسعة” على سكاي نيوز عربية، إن الأسلوب الأميركي في إدارة الصراعات يقوم على “الحصار ثم الإضعاف والإنهاك”، قبل الانتقال إلى العمل العسكري.

وبحسب تقديره، تقف المواجهة حاليا عند المرحلة التي تسبق العمل العسكري، محذرا من أن عدم تعاون الدول الأخرى في تنفيذ الحصار الاقتصادي، أو استمرار رفض إيران للمطالب الأميركية، قد يدفع واشنطن إلى استخدام القوة.

ويضع العزاوي الضغط على طهران ضمن مشهد سياسي واستراتيجي وعسكري يتجاوز الصراع المباشر مع الولايات المتحدة، مشبها الحصار الحالي بما تعرض له العراق عام 1991، وإن كان أقل شدة.

ويشير إلى أن وضع إيران يختلف بسبب علاقاتها التجارية مع مجموعة من الدول، أبرزها الصين وروسيا والهند، فضلا عن علاقاتها مع تركيا وباكستان وأفغانستان ودول أخرى.

كما يلفت إلى أن العقوبات الأميركية أحادية وليست صادرة عن الأمم المتحدة، خلافا للعقوبات التي فُرضت على العراق، ما يجعل إحكام الحصار أكثر صعوبة في ظل الشركات الوسيطة وصفقات المقايضة بالذهب وشبكات التجارة غير الرسمية.

ويرى أن واشنطن قادرة على تعطيل أجزاء واسعة من هذه المسارات، لكنها لا تستطيع السيطرة بالكامل على ما وصفه بـ”سوق الظل”.

الصين في قلب المواجهة

يعتبر العزاوي أن الصين مستهدفة ضمن المسرح الجيوسياسي والاقتصادي المرتبط بالضغط على إيران، لكنه يرى أن بكين ستتعامل بحذر مع الإجراءات الأميركية، نظرا إلى تشابك مصالحها التجارية مع واشنطن.

ويربط موقف الصين بحاجتها الكبيرة إلى الطاقة، إذ يمثل الخليج وإيران مصدرين قريبين ومهمين لاقتصادها. ومن هذا المنطلق، يرى أن توسيع السيطرة الأميركية على الأصول الاستراتيجية والممرات الحيوية في المنطقة يمنح واشنطن أداة إضافية للضغط على بكين.

وبحسب قراءته، ستسعى الصين إلى المحافظة على توازن دقيق، يضمن استمرار حصولها على الطاقة من دون الدخول في مواجهة اقتصادية مباشرة وشاملة مع الولايات المتحدة.

العراق ساحة الضغط الحساسة

يمنح العزاوي العراق موقعا محوريا في معادلة الحصار، معتبرا أنه من أبرز المسارات التي يمكن أن تنفذ عبرها العقوبات الأميركية لخنق الاقتصاد الإيراني.

ويربط ذلك بتحركات إيرانية سبقت إعلان العقوبات، بينها زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى العراق، ولقاءات مسؤولين إيرانيين مع رئيس الوزراء العراقي وقيادات الإطار التنسيقي.

ويفسر العزاوي هذه التحركات بأنها رسالة إلى واشنطن بشأن استمرار العلاقة والاصطفاف بين بغداد وطهران، بعد ما وصفه بفشل مسار “التغيير الناعم” المرتبط بالمبعوث الأميركي توم باراك.

ويتوقع أن تقابل الولايات المتحدة ذلك بمزيد من الضغط، في ظل انتشارها العسكري الواسع في المنطقة. ويقدر العزاوي عدد القوات الأميركية الموجودة بأكثر من 100 ألف عسكري، مشيرا إلى انتشارها في قاعدة إنجرليك وفي البحر وعلى تخوم العراق، ومشاركة الفرقة 82 في تأمين الممرات.

ضغوط الشارع وصراع القرار

داخليا، يتحدث العزاوي عن إشكالية في توزيع السلطة بين المؤسسات التنفيذية والسياسية والدبلوماسية والحرس الثوري، معتبرا أن مواقف الحكومة قد لا تجد طريقها إلى التنفيذ إذا تعارضت مع توجهات الحرس.

كما يحذر من تصاعد الاحتقان الشعبي بفعل أسعار الوقود والبطالة وتراجع العملة والأوضاع الاقتصادية، وهي عوامل يرى أنها تمثل مصدر قلق للنظام وقد تدفعه إلى المناورة سياسيا وعسكريا وتوسيع هامش تحركه الإقليمي.

ويطرح احتمال أن ترتبط بعض تحركات المسؤولين الإيرانيين في العراق بمحاولة توفير “ملاذ آمن” في حال حدوث انهيار شامل، مؤكدا أن ذلك يبقى ضمن السيناريوهات المحتملة وليس حقيقة محسومة.

تنازل أم انفجار داخلي؟

يرفض العزاوي تصوير الرئيس دونالد ترامب بوصفه عالقا في “مستنقع” أو يتحرك بلا تخطيط، قائلا إن الاستراتيجية الأميركية تستند إلى محددات الأمن القومي وعقيدة الرئيس وتُصاغ داخل مؤسسات صنع القرار.

ويرى أن إضعاف قدرة الخصم على الردع والمبادرة قد يمثل نصرا حتى من دون إنهائه بالكامل، معتبرا أن إيران تحاول من خلال تحركات متفرقة إظهار احتفاظها بدور إقليمي.

ويحدد مسارين أمام طهران: تغيير داخلي نتيجة الضغوط الاقتصادية والشعبية، أو قبول المطالب الأميركية والعودة إلى طاولة التفاوض.

وبحسب قراءته، أصبحت واشنطن صاحبة اليد العليا عسكريا واقتصاديا، فيما تضيق خيارات إيران بين تقديم التنازلات ومواجهة اضطراب داخلي متصاعد.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version