الثلاثاء _15 _سبتمبر _2026AH

ففي الوقت الذي تسابق فيه الدول الأوروبية الزمن لزيادة إنتاج الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة وبناء قدرات تمكنها من خوض حرب طويلة، تتهم حكومات وأجهزة استخبارات أوروبية روسيا بتنفيذ حملة من التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية ومحاولات استهداف منشآت وشركات دفاعية، إضافة إلى السعي للحصول على التكنولوجيا والمعلومات العسكرية الغربية.

وتقول موسكو إن الاتهامات الغربية لا أساس لها، لكن الناتو يصف ما يحدث بأنه جزء من حملة روسية أوسع لزعزعة أوروبا وإضعاف التحالف عبر أنشطة تقع تحت عتبة الحرب المباشرة. 

فقد دانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين الثلاثاء سلوك روسيا “غير المسؤول والخطير” بعدما اتهمت الدنمارك موسكو بإطلاق قنبلتين مضيئتين باتجاه مروحية تابعة لها وإسقاط مقاتلات تابعة لحلف شمال الأطلسي مسيّرة في ليتوانيا.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية في منشور على منصة إكس “مرة أخرى تجد أوروبا نفسها في مواجهة السلوك غير المسؤول والخطير لروسيا”.

وجاء في بيان نشرته على المنصة “هذه ليست حوادث معزولة، بل تندرج ضمن نمط أوسع نطاقا من الاعتداءات والاستفزازات الروسية ضد أوروبا، يهدف إلى اختبار مستوى جاهزيتنا ومدى صلابة عزيمتنا”.

وأضافت “سترى روسيا أن عزيمتنا ستزداد صلابة”.

واتهمت الدنمارك الثلاثاء، روسيا بإطلاق قنبلتين مضيئتين باتجاه مروحية تابعة لها كانت تنفّذ مهمة فوق بحر البلطيق.

وبحسب الجيش الدنماركي، وقعت الحادثة مساء الاثنين قبالة سواحل غيدسر في أقصى جنوب الدنمارك.

وأكّد الجيش في بيان أن سفينة حربية روسية استهدفت إحدى مروحياته، موضحا أنها كانت وقت استهدافها تُجري عملية تصوير روتينية قرب فرقاطة روسية راسية في المياه الدولية.

وقالت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في منشور عبر منصة اكس إن “الأعمال الروسية تهدف إلى الترهيب وزرع الفرقة، لكنها لن تنجح. لن نتراجع”.من جهتها، سارعت موسكو إلى إلقاء المسؤولية على عاتق الدنمارك.

سباق مع الزمن

تأتي هذه التطورات في وقت تتهم فيه روسيا بتحويل اقتصادها لاقتصاد حرب، بينما يسارع حلف الناتو لتطوير قدراته استعدادا لمواجهة محتملة.

في ديسمبر 2025، قال الأمين العام للناتو مارك روته إن روسيا، إذا واصلت تحويل اقتصادها إلى اقتصاد حرب، قد تصبح قادرة على استخدام القوة العسكرية ضد الحلف خلال خمس سنوات.

وفي يونيو 2026، ناقش روته علنا تقديرات تشير إلى احتمال أن تكون روسيا قادرة على مهاجمة دولة من دول الناتو بحلول 2029.

ولهذا يرى الناتو أن أمام أوروبا نافذة زمنية محدودة لسد الفجوات، بينما تستهدف روسيا، بحسب الاتهامات الأوروبية، بعض العناصر التي تحتاجها القارة تحديدا لسد تلك الفجوات.

وتملك روسيا بالفعل قاعدة صناعية عسكرية تعمل بوتيرة مرتفعة منذ سنوات الحرب في أوكرانيا، فيما أظهرت الحرب قدرتها على توسيع إنتاج المسيّرات وتطويرها بسرعة.

وتقدر تحليلات حديثة أن الصناعة الدفاعية الروسية تتجه إلى إنتاج ملايين الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة سنويا، مع دمج أسرع بين الابتكار في ساحة المعركة والإنتاج الصناعي.

أوروبا من جانبها تحتاج إلى مصانع جديدة وخطوط إنتاج أسرع ومخزونات أكبر من الذخائر والصواريخ، إضافة إلى الدفاع الجوي، والطائرات، والمسيّرات، وأنظمة القيادة والسيطرة، والاستخبارات، والحرب الإلكترونية، وقطع الغيار وسلاسل الإمداد.

من المصانع إلى التكنولوجيا

أجهزة الأمن الأوروبية تتحدث عن التخريب السري، والتجسس، والحرائق المتعمدة، واختراق الأنظمة، وتجنيد أشخاص داخل الدول الأوروبية لتنفيذ عمليات محددة.

وفي أبريل 2026، نشرت وزارة الدفاع الروسية عناوين عدد من شركات إنتاج الطائرات المسيّرة في أوروبا التي تتعاون مع أوكرانيا، ووصفت التعاون الأوروبي في إنتاج المسيّرات بأنه خطوة نحو التصعيد.

واعتُبرت الخطوة في أوروبا تحذيرا ضمنيا للشركات التي توسع إنتاجها العسكري المرتبط بأوكرانيا.

وفي ألمانيا، قالت السلطات في مارس 2026 إنها ألقت القبض على شخصين للاشتباه في جمعهما معلومات عن شركة ألمانية تنتج مسيّرات لصالح أوكرانيا، تحضيرا لهجوم أو عملية تخريب محتملة.

أما في إستونيا، فتُحقق السلطات في احتمال تورط روسي في حريق استهدف منشأة تابعة لشركة  Milrem Robotics، المتخصصة في المركبات العسكرية الروبوتية. وقالت الشركة إن الهجوم لم يعطل إنتاجها أو تسليماتها إلى أوكرانيا، فيما نفت موسكو بصورة متكررة اتهامات التورط في مثل هذه العمليات.

وفي بريطانيا، اتهم الادعاء العام رجلا بريطانيا بالتعاون مع جهة مرتبطة بالاستخبارات العسكرية الروسية بهدف تنفيذ عمليات تخريب ضد مصانع للطائرات المسيّرة في مدينة سويندون.

وبحسب السلطات البريطانية، قدم الرجل معلومات عن أربعة مواقع لمصانع، وأجرى عمليات استطلاع، وبحث عن وسائل يمكن استخدامها في تنفيذ عملية تخريب. ولم يقدم المتهم إقرارا بالذنب حتى الآن.

وهنا تظهر إحدى أكثر أدوات الحرب الهجينة حساسية: بدلا من إرسال عنصر استخبارات روسي لتنفيذ العملية، يمكن تجنيد شخص موجود داخل الدولة المستهدفة لتنفيذ مهمة محددة، ما يجعل كشف الصلة بين العملية وموسكو أكثر صعوبة.

التكنولوجيا العسكرية الحديثة تعتمد على منظومة واسعة من المهندسين والعلماء والمبرمجين والمصممين والشركات الصغيرة التي تنتج مكونات شديدة التخصص.

وتحاول أجهزة الاستخبارات الأوروبية، بحسب تحذيرات متكررة، حماية هذه المعرفة من عمليات التجسس الروسية، خصوصا في مجالات المسيّرات، وأجهزة الاستشعار، والذكاء الاصطناعي، والإلكترونيات، والفضاء، والأنظمة البحرية.

ففي يناير 2025، قال الناتو إن مخطط اغتيال الرئيس التنفيذي لشركة Rheinmetall الألمانية أرمين بابيرغر كان جزءا من حملة تخريب روسية أوسع في أوروبا.

وتعد Rheinmetall من أبرز شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية، وكانت في قلب خطط ألمانيا لزيادة إنتاج الأسلحة والذخائر ودعم أوكرانيا.

وبذلك يصبح استهداف رئيس شركة دفاعية وسيلة محتملة لتعطيل عملية الإنتاج أو بث الخوف داخل القطاع، حتى من دون تدمير مصنع واحد.

كما تتحدث أجهزة الأمن الأوروبية عن استهداف البنية التحتية التي تحتاج إليها الجيوش للعمل، بما في ذلك شبكات الاتصالات والطاقة والسكك الحديدية والكابلات البحرية.

كابلات البحر.. جبهة أخرى

في ربيع 2026، أحبطت بريطانيا والنرويج والولايات المتحدة عملية روسية سرية قرب سفالبارد في القطب الشمالي، بحسب معلومات نقلتها رويترز، وقالت إن العملية ارتبطت بوحدة روسية للحرب تحت سطح البحر وكانت تهدف إلى اختبار وسائل لتعطيل كابلات ألياف ضوئية تحت البحر.

ولم تحدث أضرار للكابلات، لكن الحادث أثار مخاوف من أن روسيا تختبر قدراتها على استهداف البنية التحتية الحيوية للناتو قبل أي مواجهة واسعة.

وهذه الكابلات ليست مجرد بنية تحتية مدنية؛ فهي تنقل كميات هائلة من البيانات والاتصالات، بما فيها معلومات مرتبطة بالأقمار الصناعية والاتصالات الحكومية والعسكرية.

في الوقت الذي تتحرك فيه أوروبا لتوسيع إنتاجها العسكري، تتصاعد أيضا مؤشرات الاحتكاك المباشر مع روسيا.

في 15 سبتمبر 2026، أسقطت مقاتلة تابعة للناتو طائرة مسيرة دخلت المجال الجوي الليتواني، وقال وزير الدفاع الإيطالي إن الطائرة يرجح أنها جاءت من روسيا، بينما دخلت من جهة بيلاروسيا. وفي اليوم نفسه، اتهمت الدنمارك فرقاطة روسية بإطلاق مشاعل مضيئة باتجاه مروحية عسكرية دنماركية خلال مهمة مراقبة.

وتأتي هذه التطورات بعد حوادث أخرى قرب حدود الناتو، بينها هجمات بطائرات مسيرة واقترابها من بولندا، ما دفع وارسو إلى تعزيز حماية المعابر مع أوكرانيا وبناء تحصينات إضافية.

ويقول الناتو إن روسيا كثفت بالفعل انتهاكات المجال الجوي وأعمال التخريب والهجمات السيبرانية والأنشطة العدائية الأخرى.

وتشير تقديرات أمنية غربية إلى أن الهدف من هذه الحملة لا يقتصر على إلحاق أضرار مادية، وإنما يشمل أيضا تخويف الشركات، وإبطاء دعم أوكرانيا، وإضعاف ثقة الأوروبيين بحكوماتهم، واختبار قدرة الدول على اكتشاف الهجمات والرد عليها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version