وتضع هذه المفارقة زيارة المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو أمام سؤال حاسم: هل تفتح الزيارة نافذة حقيقية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، أم تمثل استراحة مؤقتة يعود بعدها الطرفان إلى القتال بشروط أكثر تشددا؟.
وفي قراءته للمشهد، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج ماسون ديفيد رمضان، خلال حديثه إلى “التاسعة” على سكاي نيوز عربية، إن واشنطن تسعى إلى إعادة تحريك مسار التفاوض، لكن الخلافات الجوهرية بين موسكو وكييف لا تزال تعرقل الوصول إلى تسوية سريعة.
عودة الملف الأوكراني إلى الواجهة
يرى رمضان أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحاول إعادة فتح المسار الروسي الأوكراني، بعدما استحوذت الأزمة الإيرانية على السياسة الخارجية الأميركية خلال الأشهر الماضية.
ويعتبر أن اختيار ترامب لصهره وصديقه لقيادة المهمة، بدلاً من وزير الخارجية أو نائب الرئيس، ينسجم مع أسلوبه الشخصي وغير الرسمي في إدارة الملفات الحساسة.
وبحسب رمضان، يحمل المبعوثان فكرة تسوية سيعرضانها على بوتين وزيلينسكي تباعاً. ويأتي ذلك عقب زيارة سابقة تحدث خلالها رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عن احتمال عقد اجتماع ثلاثي يجمع ترامب وبوتين وزيلينسكي.
لكن رمضان شدد على عدم وجود تفاصيل معلنة حتى الآن بشأن مضمون المقترح، سواء من البيت الأبيض أو من ويتكوف وكوشنر، ما يجعل فرص نجاح المهمة غير واضحة.
لا مقايضة بشأن إيران
ونفى رمضان وجود مقايضة أميركية تربط الملف الإيراني بالحرب في أوكرانيا، مؤكداً أن إيران أصبحت “خطاً أحمر” بالنسبة لواشنطن.
وأوضح أن المعلومات الصادرة عن الخارجية الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية تشير، وفق قراءته، إلى توجيه تحذير واضح لروسيا بعدم اختبار الموقف الأميركي تجاه إيران، وليس الدخول في مفاوضات أو تقديم تنازلات.
وأضاف أن أي مرونة روسية طُرحت بشأن إيران استهدفت تجنيب موسكو عقوبات إضافية، ولا تمثل مقايضة مقابل مكاسب في أوكرانيا. وأشار إلى أن الرسالة الأميركية إلى روسيا والصين تضمنت تحذيراً من أن استمرار دعم إيران قد يقابَل بقطع التعامل بالدولار عالمياً.
دونباس عقدة التسوية
في المقابل، لا تزال الخلافات الميدانية تعوق أي اتفاق محتمل. وبحسب رمضان، يسعى بوتين إلى الاحتفاظ، على الأقل، بالأراضي التي تسيطر عليها قواته، في حين ترفض أوكرانيا والدول الأوروبية ذلك وتعدّه احتلالاً مخالفاً للقانون الدولي.
لذلك، يستبعد رمضان أن ينجح ويتكوف وكوشنر في تقديم “حل سحري” ينهي الحرب فورا، لكنه يميز بين دونباس وبقية الأراضي الأوكرانية.
ويرى أن بعض سكان مناطق دونباس يعتبرون أنفسهم روساً اجتماعياً ولغوياً، ما قد يجعل المنطقة موضع نقاش بشأن تنازل أوكراني “واقعي وعملي”، لا نابع من رغبة كييف. أما الأراضي الأخرى، فيستبعد قدرة واشنطن على إقناع أوكرانيا أو أوروبا بالتنازل عنها.
ضغط اقتصادي على موسكو وكييف
وحذّر رمضان من احتمال اتساع الحرب وامتدادها إلى مواجهة أكبر تشمل أوروبا، مشيراً إلى أن بوتين يجيد المناورة بحكم خلفيته الاستخباراتية، ويعرف متى يدخل مسارات التصعيد أو يخرج منها.
ويرى أن أقوى أوراق واشنطن تجاه موسكو اقتصادية، وفي مقدمتها حرمان الدول والبنوك من التعامل بالدولار، وهو ما وصفه بـ”الخيار النووي” من دون حرب نووية.
وفي الوقت نفسه، تملك الولايات المتحدة ورقة ضغط على كييف، إذ لا تزال أوكرانيا بحاجة إلى منظومات الدفاع الأميركية الكبيرة، رغم اكتفائها النسبي في المسيرات والأسلحة الصغيرة. وبذلك تستطيع واشنطن استخدام وقف المشتريات وسيلةً لدفع كييف نحو تنازلات إقليمية، في محاولة للوصول إلى اتفاق نهائي.
