وتكشف “فايننشال تايمز” أن مؤسسات مالية كبرى بدأت تنظر إلى السفن باعتبارها أصولا طويلة العمر، يمكن أن تحقق دخلا منتظما، ولا تفقد أهميتها بسهولة أمام تغير التكنولوجيا أو صعود الذكاء الاصطناعي.
لكن كيف يمكن لحرب في الشرق الأوسط أن تجعل ناقلة نفط أكثر جاذبية للمستثمرين؟
السفينة التي تختفي من السوق
عندما يصبح المرور عبر مضيق هرمز أو البحر الأحمر محفوفا بالمخاطر، تضطر بعض السفن إلى الانتظار أو تغيير مسارها وسلوك طرق أطول. وهذا يعني أن الرحلة التي كانت تستغرق أسابيع قد تحتاج إلى وقت إضافي، مع استهلاك مزيد من الوقود وارتفاع تكاليف التأمين وأجور الطواقم.
وخلال وجود السفينة في رحلة أطول، لا تكون متاحة لنقل شحنة أخرى. وهكذا ينخفض عمليا عدد السفن الجاهزة للعمل، حتى إذا لم تتوقف أي منها نهائيا.
ومع بقاء الطلب على نقل النفط والغاز والحبوب والسلع، تبدأ الشركات في التنافس على السفن المتاحة، فترتفع أجور الشحن. وكلما زاد ما تحققه السفينة في الرحلة الواحدة، ارتفعت قيمتها لدى مالكيها والمستثمرين الراغبين في شرائها أو تمويلها.
لماذا تدخل صناديق التقاعد؟
تجمع صناديق التقاعد مدخرات الموظفين وتستثمرها لعقود، حتى تتمكن لاحقا من دفع معاشاتهم. ولهذا تبحث عادة عن أصول تبقى صالحة فترة طويلة وتوفر دخلا يمكن توقعه، مثل العقارات والطرق ومحطات الطاقة.
والآن بدأت بعض هذه الأموال تتجه إلى السفن. وقد تشتري المؤسسة سفينة ثم تؤجرها إلى شركة ملاحة بعقد طويل، أو تمول بناءها مقابل عائد محدد، من دون أن تتولى تشغيلها بنفسها.
ويرى المستثمرون أن السفينة تتمتع بميزة بسيطة: فالذكاء الاصطناعي قد يغير قيمة شركات وبرامج كثيرة خلال سنوات قليلة، لكنه لن يلغي حاجة العالم إلى نقل النفط والغاز والمواد الغذائية عبر البحار.
وتعمل شركة الاستثمار “هايفن” على جمع صندوق بحري جديد قد يبلغ ضعف حجم صندوقها السابق البالغ 620 مليون دولار. كما طلبت بناء سبع ناقلات للمنتجات النفطية وسفينتين لنقل الغاز الطبيعي المسال.
وبحسب التقرير، طلبت “جيه بي مورغان لإدارة الأصول” بناء ثماني ناقلات نفط عملاقة بكلفة تقارب 1.26 مليار دولار، مع إمكانية شراء ناقلتين إضافيتين.
من يدفع الأرباح؟
ما يمثل فرصة لصناديق الاستثمار يتحول في المقابل إلى تكلفة على الشركات والمستهلكين. فارتفاع أجور السفن والتأمين والوقود يضاف إلى سعر البضاعة عند وصولها إلى الميناء، ثم ينتقل تدريجيا إلى أسعار الغذاء والطاقة والسلع اليومية.
ولهذا فإن الأرباح التي تحققها الناقلات ليست أموالا تولد من الفراغ، بل جزء من فاتورة اضطراب التجارة العالمية.
وتتأثر الدول العربية بصورة مباشرة، سواء عبر الموانئ وشركات الملاحة ومصافي النفط، أو من خلال ارتفاع تكلفة الواردات. وقد تستفيد بعض الشركات والصناديق الخليجية من امتلاك السفن، بينما تتحمل قطاعات أخرى كلفة طرق الشحن الأطول.
رهان قابل للانقلاب
لا تخلو الطفرة من مخاطرة كبيرة. فإذا هدأت الحرب وعادت الملاحة الطبيعية إلى هرمز والبحر الأحمر، قد تتراجع أجور الشحن سريعا. كما أن بناء أعداد كبيرة من الناقلات الجديدة قد يؤدي لاحقا إلى وجود سفن أكثر من حاجة السوق.
لذلك لا تراهن صناديق التقاعد على الحرب نفسها، بل على استمرار حاجة العالم إلى السفن، وعلى أن يبقى تعطل طرق التجارة فترة كافية لتحقيق العوائد.
لقد حولت الأزمة السفينة من مجرد وسيلة تحمل البضائع إلى أصل مالي مرغوب. وكلما طالت الرحلة أمام الناقلة، ارتفعت قيمتها في حسابات المستثمرين، وزادت الكلفة التي تصل في النهاية إلى المستهلك.
