وأشار تقرير نشرته صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية إلى أن المنظمة، المعروفة باسم “FEMYSO”، كان من المفترض استبعادها من البرلمان الأوروبي بقرار من مكتبه في يوليو 2026، عقب تحركات لنواب أوروبيين اتهموها بالترويج لما وصفوه بـ”التغلغل الإسلامي”، إلا أنها نفت في بيان تعرضها لأي حظر أو استبعاد.
واللافت في هذه القضية أنها تأتي بعد ما أورده تقرير حكومي فرنسي عن تنظيم الإخوان والإسلام السياسي صدر عام 2025، والذي وصف “FEMYSO” بأنها “هيكل لتدريب الكوادر ذات الإمكانات العالية في أوساط الحركة”، في وقت يضم فيه المنتدى حالياً نحو 30 جمعية شبابية في 22 دولة أوروبية، من بينها منظمة “طلاب مسلمو فرنسا”.
بدورها، وجهت النائبة الفرنسية في البرلمان الأوروبي، ماريون ماريشال، سؤالاً كتابياً إلى المفوضية الأوروبية طالبت فيه بتوضيح طبيعة هذه التمويلات، مبينة أن التناقض القائم قد يعكس “خللاً كبيراً في الشفافية المتعلقة بالميزانية أو استغلالاً لصورة الاتحاد الأوروبي”.
تمويلات الإخوان
وتعيد هذه الواقعة إثارة قضية تمويلات الإخوان؛ فلا تبدأ بعض شبكات التمويل المرتبطة بالجماعة بالضرورة من حساب مصرفي يحمل اسم التنظيم، ولا تنتهي الأموال دائماً في الحساب نفسه؛ ففي المسافة بين جمع التبرعات وإنفاقها، تمر الأموال عبر صناديق خيرية، ومؤسسات، وشركات عقارية وتجارية، وعقود إيجار واستثمار، قبل أن تعود إلى الشبكة في صورة أصول أو عوائد أو خدمات.
وقدمت وثائق أوروبية رسمية ودراسات متخصصة صورة لشبكات مؤسسية تتقاطع فيها الجمعيات والصناديق الخيرية مع الشركات العقارية والتجارية، بما جعل البنية المالية أحد المفاتيح التي تستخدمها السلطات والبرلمانات الأوروبية لفهم آليات تمدد هذه الشبكات.
من التبرع إلى الأصل العقاري
وفي فرنسا، قدم تقرير رسمي عن تنظيم الإخوان وتنظيمات الإسلام السياسي، عُرض منتصف العام الماضي، واحدة من أكثر الصور وضوحاً لهذا التشابك، إذ أشار إلى استخدام صناديق الهبات والشركات المدنية العقارية، المعروفة اختصاراً بـ”SCI”، في تمويل مشاريع مرتبطة بشبكة “مسلمو فرنسا”.
كما لفت إلى مؤسسة “Europe Trust” البريطانية، مقدماً إياها باعتبارها بنية مالية ضمن الشبكة الأوروبية تنشط في مجال الاستثمار العقاري، في وقت يعتبرها المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات “الذراع والوعاء المالي الرئيسي لتنظيم الإخوان في أوروبا”.
ويُظهر سجل هيئة المؤسسات الخيرية البريطانية أن “Europe Trust” كانت تمتلك أو تستأجر عقارات، وأن دخلها في السنة المنتهية في ديسمبر 2024 بلغ نحو 1.38 مليون جنيه إسترليني، من بينها نحو 1.35 مليون جنيه من الاستثمارات، مقابل نحو 32.7 ألف جنيه فقط من التبرعات والهبات.
وتؤكد السجلات البريطانية الرسمية أن نشاط المؤسسة المسجل يشمل امتلاك أو تأجير وإدارة العقارات، كما تكشف عن أسماء قيادات بارزة تولت مناصب إدارية فيها، ينتمون إلى الرعيل الأول للتنظيم الدولي، وعلى رأسهم إبراهيم الزيات.
وتجلت هذه الآلية بوضوح في حكم المحكمة القضائية في بوبيني بفرنسا بحل صندوق “Al-Wakf France”، إثر دعوى تقدمت بها محافظة إقليم سين-سان-دوني؛ حيث كشفت حيثيات الحكم أن الصندوق أُنشئ بمبادرة من “اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا”، بهدف تلقي وإدارة الممتلكات والحقوق وتخصيصها لتمويل مهام ذات طابع اجتماعي وثقافي وتعليمي.
ولم يتناول الحكم القضائي حركة النقد والتبرعات فحسب، بل تطرق أيضاً إلى الأصول العقارية؛ إذ كشفت الوثيقة القضائية عن نقل جمعية إسلامية في منطقة بيتون عام 2015 مجموعة عقارية إلى الصندوق، تضم منزلاً ومبنى مخصصاً للعبادة كان قيد الإنشاء.
وذكرت إذاعة “فرانس إنفو” أن الجمعية كانت تستفيد من مساعدات حكومية تُقدر بمئات الآلاف من اليوروهات تضمنت توفير مقار وتجهيزات، إلى جانب توجيه اتهامات إليها بممارسة أنشطة غير معلنة تحت غطاء “تمويل مشروعات”.
تشديد الرقابة
من جهتها، ترى الباحثة الفرنسية فلورنس بيرجو-بلاكلر، مؤلفة كتاب “الإخوانية وشبكاتها”، أن الإجراءات التي تتخذها فرنسا ودول أوروبية أخرى لتشديد الرقابة على تمويل وأنشطة الجمعيات التابعة لتنظيم الإخوان وتعزيز الأدوات القانونية “تُعد سليمة، لكنها غير كافية على الإطلاق”.
وأوضحت بيرجو-بلاكلر أن هذه التدابير لا تمس الآليات التي يواصل الاتحاد الأوروبي من خلالها دعم الجماعة، مضيفة: “قد تشدد إحدى الدول الأعضاء الرقابة على جمعياتها، بينما تقوم بروكسل في الوقت نفسه بتمويل منظمات تنتمي إلى الحركة ذاتها”.
وقالت الباحثة، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”: “في ديسمبر الماضي، قدمتُ بالاشتراك مع الباحث توماسو فيرجيلي تقريراً إلى المؤسسات الأوروبية يوثق مئات المشروعات التي جرى تمويلها لصالح هذه الحركة”، مستشهدة بمنظمة “FEMYSO”: “فعلى الرغم من استبعادها رسمياً من أنشطة البرلمان الأوروبي، فإنها تمضي قدماً في عقد مؤتمرها في بروكسل، وتؤكد بنفسها حصولها على تمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي، أي من أموال دافعي الضرائب”.
وشددت على ضرورة ألا يقتصر التعامل مع نفوذ الإخوان على البعد الأمني فقط، بل يمتد إلى فرض معايير صارمة على التمويل الأوروبي تتجاوز استيفاء المتطلبات الإدارية إلى فحص دقيق لأنشطة الجهات وروابطها، مع بناء قدرة بحثية مستقلة لإجراء عمليات رصد وتحقيق بشأن المستفيدين من التمويل.
تلاعب الكيانات
من جانبه، يوضح لورينزو فيدينو، مدير برنامج مكافحة التطرف في جامعة جورج واشنطن، أن شبكات الإخوان في أوروبا تعتمد على منظومة متشابكة من الكيانات التجارية؛ إذ تنشئ عدداً كبيراً من الشركات التي تظهر وتُحل لاحقاً، مع تدوير الأشخاص أنفسهم في مجالس إداراتها، ما يجعل تتبعها بالغ الصعوبة.
ويضيف فيدينو أن تأسيس شركات ثم حلها يتيح فتح حسابات مصرفية تُستخدم في تمويل الأنشطة، مع إنشاء طبقات عازلة تفصل بين مصادر الأموال والجهة المستفيدة، لإبقاء القائمين على الشبكة بعيدين عن الواجهة والمساءلة.
شبكات الاستيراد والتصدير
بدوره، يرى الباحث المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة، أحمد سلطان، أن الشبكات المالية والاقتصادية المرتبطة بالإخوان لا تتبع نهجاً واحداً؛ بل تنشط في مجالات متعددة كالصناعات التحويلية، وتجارة الخدمات، والاستيراد والتصدير.
وأشار سلطان، في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية”، إلى وجود قرائن ومؤشرات على أنشطة تجارية تشمل استيراد بضائع من الصين وإعادة بيعها، ضارباً المثل بلقاءات سابقة جمعت المتحدث السابق باسم الجماعة، محمد منتصر، مع تجار صينيين لبحث إطلاق نشاط تجاري عبر شركة تُعد إحدى الواجهات الاقتصادية للإخوان.
ولفت الباحث إلى أن هذه الأنشطة تدار بسرية تامة تحصر الإحاطة بالملف المالي في دائرة ضيقة جداً داخل التنظيم، مشيراً إلى أن ما خفي من شركات الإخوان أكبر بكثير مما كُشف عنه.
واختتم سلطان بالإشارة إلى أن الجماعة استعدت مبكراً لاحتمالات انكشاف بنيتها عبر تأسيس واجهات اقتصادية وكيانات متعددة لا يتولى إدارتها قادة معروفون تنظيمياً، وهو ما يفسر عجز لجان التحقيق وفرق التدقيق الأوروبية عن الوصول الكامل إلى خيوط هذه الشبكات طوال السنوات الماضية.
