ويرى الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول أن إيران كانت، قبل القصف الأميركي الإسرائيلي، قريبة جدا من العتبة النووية، وأن المدة اللازمة لصناعة قنبلة كانت قصيرة، وفق تقييمات استخباراتية ومراكز متخصصة. لكن الضربات أبعدتها، بحسب تقديره، عن تلك العتبة وأطلقت نقاشا داخليا بشأن عدم تصنيع السلاح حين كانت الإمكانات متاحة.
ندم يعيد فتح الملف
استند الزغول، خلال حديثه إلى “التاسعة” على “سكاي نيوز عربية”، إلى تصريحات نسبها إلى وزير الدفاع الإيراني الأسبق علي شمخاني، عبّر فيها عن ندمه على عدم التوجه نحو صناعة القنبلة عندما كان يتولى حقيبة الدفاع، مؤكدا أن إيران كانت تمتلك القدرة على ذلك.
ويضع الزغول هذه التصريحات في سياق جدل يتجاوز القدرة التقنية إلى الأبعاد الدينية والأخلاقية والسياسية. فقد بنت إيران سردية ترفض الأسلحة غير التقليدية، مستندة إلى تجربتها خلال الحرب العراقية الإيرانية وتعرضها للأسلحة الكيميائية.
كما رسخت مؤسساتها التعليمية والثقافية تصورا يعتبر أسلحة الدمار الشامل جريمة ضد الإنسانية، فيما قدمت برنامج التخصيب، خلال عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، بوصفه مشروعا لتطوير التكنولوجيا وخدمة الطب والهندسة والزراعة.
لكن مستويات التخصيب ارتفعت لاحقا، خصوصا بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي.
ويرى الزغول أن سرعة انتقال إيران من تخصيب عند مستويات منخفضة إلى 60 بالمئة تثير تساؤلات بشأن وجود استعداد تقني سابق.
تناقض بين الخطاب والقدرات
أشار الزغول إلى وثائق وصور عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقال إنها تكشف مواقع نووية إيرانية غير معلنة وبرامج تخصيب سرية.
وبحسب قراءته، لم تعد القضية مرتبطة بالنوايا وحدها، وإنما بأجهزة ومواقع وبرامج جرى تطويرها. كما يرى تناقضا بين خطاب شمخاني السابق بشأن تحريم أسلحة الدمار الشامل وتصريحاته اللاحقة التي أعرب فيها عن الندم على عدم صناعة القنبلة.
غير أن هذه التصريحات والوثائق الإسرائيلية تظل جزءا من روايات أطراف الصراع، بينما تقول إيران إن برنامجها مخصص للأغراض السلمية.
“جبل الفأس” يرفع كلفة الهجوم
يربط الزغول منشأة “جبل الفأس” بإعادة تدويل الملف النووي الإيراني وإحالته إلى مجلس الأمن، معتبرا أن المواقع المدفونة في مناطق جبلية وعلى أعماق كبيرة تضع واشنطن أمام خيارات عسكرية معقدة.
وأوضح أن قدرة الأسلحة الخارقة للتحصينات تبقى محدودة أمام بعض المنشآت العميقة. كما فسّر تلميحا سابقا لترامب إلى احتمال رؤية “ضوء ساطع” إذا لم ترتدع إيران، باعتباره إشارة محتملة إلى استخدام سلاح نووي تكتيكي، وهو تفسير طرحه الزغول ولم يصدر تأكيد أميركي له.
وأضاف أن مراكز تفكير ووسائل تحليل مرتبطة بالحرس الثوري بدأت مناقشة احتمال فقدان “مدن الصواريخ”، بعدما شكلت المنشآت المحصنة أحد عناصر الحماية الأساسية لإيران.
إمدادات تطيل المواجهة
قال الزغول إن إيران قد تواصل الحصول على مواد تدخل في صناعة الصواريخ من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا ودول أخرى، عبر خطوط السكك الحديدية وبحر قزوين.
ورغم أن هذه الإمدادات قد تساعد طهران على إطالة أمد الحرب، يستبعد الباحث أن تعوض سريعا حجم الخسائر التي تعرضت لها.
ويخلص الزغول إلى أن قدرة إيران على الصمود أمام الولايات المتحدة محدودة بسبب فارق القوة وغياب دعم دولي مماثل لما حصلت عليه أوكرانيا. لكنه يرى أن واشنطن لا تريد تكرار تجربة العراق أو إرسال قوات برية لسنوات طويلة، كما لا ترغب في إحداث فراغ سياسي داخل إيران.
وبحسب هذه القراءة، يمنح التردد الأميركي في إسقاط النظام طهران مساحة للاستمرار والمناورة، فيما يبقى مستقبل برنامجها النووي معلقا بين خسائر القصف والجدل الداخلي المتجدد بشأن خيار القنبلة.
