الجمعة _2 _أكتوبر _2026AH

ولا تعد التهديدات النووية الروسية تجاه الغرب وليدة حرب أوكرانيا، فهي ممتدة منذ عقود الحرب الباردة. لكن التحذير الأخير أعادها إلى الواجهة، وسط غياب أي معاهدة تحدّ من الترسانتين الروسية والأمريكية للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن.

أزمات الحرب الباردة: الصواريخ ورقة ضغط

بدأ توظيف السلاح النووي في الخطاب السياسي السوفياتي بعد امتلاك موسكو القنبلة عام 1949. وفي أزمة السويس عام 1956، وجّه رئيس الوزراء السوفياتي نيكولاي بولغانين رسائل إلى بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لوّح فيها بإمكانية استخدام الصواريخ النووية ضدها.

وبلغت المواجهة ذروتها في أكتوبر 1962 مع أزمة الصواريخ الكوبية، حين نشر الاتحاد السوفياتي صواريخ نووية في كوبا قرب السواحل الأمريكية. وبقي العالم 13 يوماً على حافة حرب نووية، قبل أن تنتهي الأزمة بسحب الصواريخ السوفياتية مقابل تعهد أمريكي بعدم غزو كوبا. وبحسب ما كشفته روايات لاحقة، تضمنت التسوية أيضاً سحباً سرياً لصواريخ أمريكية من تركيا.

وفي عام 1983 تجددت المخاوف، عندما اعتبرت موسكو أن مناورات “إيبل آرتشر” لحلف الناتو قد تكون غطاءً لهجوم مفاجئ، وفي العام نفسه كاد إنذار كاذب في منظومة الإنذار المبكر السوفياتية يتحول إلى كارثة.

مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي: عقيدة تتغير

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تخلت روسيا في عقيدتها العسكرية لعام 1993 عن تعهد “عدم المبادرة باستخدام السلاح النووي” الذي كانت موسكو قد أعلنته في الحقبة السوفياتية. وجاءت عقيدة عام 2000 لتسمح باللجوء إلى الأسلحة النووية رداً على هجوم نووي، أو على عدوان تقليدي واسع النطاق يهدد وجود الدولة.

وبعد ضم القرم عام 2014، قال الرئيس فلاديمير بوتين لاحقاً إنه كان مستعداً لوضع القوات النووية في حالة تأهب. وفي مارس 2018 كشف عن منظومات جديدة، من بينها صاروخ “سارمات” والمركبة الانزلاقية “أفانغارد”، في رسالة اعتُبرت موجهة إلى الغرب.

حرب أوكرانيا: التهديد يعود إلى الواجهة

مع بدء الغزو في فبراير 2022، حذّر بوتين من أن أي تدخل خارجي سيقود إلى “عواقب لم تروها من قبل”، وأمر بعد أيام بوضع قوات الردع النووي في حالة تأهب خاصة. وفي سبتمبر 2022، وبالتزامن مع إعلان التعبئة الجزئية، قال إن موسكو ستستخدم “كل الوسائل المتاحة” لحماية أراضيها، مؤكداً أن حديثه “ليس خدعة”.

وفي فبراير 2023 علّقت روسيا مشاركتها في معاهدة “نيو ستارت”. وبعد أسابيع أعلن بوتين نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروس، وأجرت موسكو في 2024 مناورات خاصة بهذه الأسلحة.

وفي نوفمبر 2024 أقرّت روسيا نسخة معدلة من عقيدتها النووية خفّضت عتبة الاستخدام، إذ تعتبر أي هجوم تقليدي تشنه دولة غير نووية بدعم من دولة نووية “هجوماً مشتركاً”. وبعد أيام استخدمت موسكو صاروخ “أوريشنيك” الجديد في ضربة على مدينة دنيبرو الأوكرانية.

نهاية “نيو ستارت”: سلاح نووي بلا قيود

في سبتمبر 2025 عرض بوتين الالتزام بالحدود الرئيسية للمعاهدة عاماً إضافياً بعد انتهائها، بشرط المعاملة بالمثل. لكن المعاهدة انتهت في 5 فبراير 2026، ورفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العرض، مفضلاً اتفاقاً “جديداً ومحدّثاً”. وبذلك لم يعد هناك أي سقف ملزم للترسانتين الاستراتيجيتين، ولا عمليات تفتيش أو تبادل بيانات. وتقول موسكو إنها ستلتزم بالحدود إذا فعلت واشنطن ذلك، بينما ترفض الصين الانضمام إلى مفاوضات ثلاثية.

جدية أم مناورة سياسية؟

يرى محللون أن الخطاب النووي الروسي يهدف في الغالب إلى ردع الدعم الغربي لكييف وإثارة الانقسام داخل الحلف، وأن الغرب لم يرتدع بهذه التهديدات حتى الآن. في المقابل، تحذر منظمات معنية بنزع السلاح من أن خطر الاستخدام ارتفع منذ 2022، حتى لو بقيت التهديدات كلامياً.

ولا تزال روسيا تملك أكبر ترسانة نووية في العالم، بما يقارب 4 آلاف رأس نووي بحسب تقديرات متداولة، فيما يبقى مصير الحد من التسلح معلقاً بين واشنطن وموسكو وبكين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version