دمنذ بدايات حكومة دونالد تاسك، التي تم تنصيبها في 13 ديسمبر/كانون الأول 2023، دخلت الحياة السياسية البولندية فترة اضطراب قوي، وكأن “ثورة المحافظين” التي نفذها، منذ 2015، حزب القانون والعدالة القومي وكان من المقرر هزيمة (حزب القانون والعدالة) بزعامة ياروسلاف كاتشينسكي على يد “الثورة الليبرالية المضادة”. يحمل كل أسبوع نصيبه من الأحداث الدرامية: الاستيلاء على وسائل الإعلام العامة، التي كانت مساعدة الشرطة ضرورية لها، ومكتب المدعي العام من قبل وزير العدل، والاعتقال المذهل لاثنين من وزراء حزب القانون والعدالة السابقين، المدانين ومن أبرز الأمثلة على ذلك إساءة استخدام السلطة، الذين لجأوا إلى القصر الرئاسي.
وفي كل مرة، اتهم بعض المراقبين الحكومة باستخدام أساليب تقترب من الشرعية باسم استعادة النظام الدستوري. وفيما يتعلق بما يسمى وسائل الإعلام “العامة” (التي تنقل الدعاية الحكومية الوحشية في ظل حزب القانون والعدالة)، قضت المحاكم بعدم قانونية الطريقة التي يتبعها وزير الثقافة والتي تتمثل في إقالة أعضاء مجالس الإدارة. واعترف وزير العدل آدم بودنار بنفسه باستخدامه “ثغرة قانونية” لإقالة المدعي العام الوطني، داريوش بارسكي، الموالي لحزب القانون والعدالة، والذي تم إنشاء منصبه قبل وقت قصير من الانتخابات لحماية مصالح الحزب في حالة خسارة السلطة. وفي حالة الوزيرين السابقين في حزب القانون والعدالة المدانين من قبل محاكم مستقلة، فإن حجم الوسائل التي تم تنفيذها لاعتقالهما، والتي تستحق عملية لمكافحة الإرهاب، ربما أعطى الانطباع بوجود عصابة سياسية.
ولابد من ربط هذه العناصر بالواقع الذي تواجهه الأغلبية الجديدة، التي ورثت هياكل مؤسسية متهالكة وفوضى قانونية لا مثيل لها في الديمقراطيات الحديثة. وفي غضون ثماني سنوات، نجح حزب القانون والعدالة في إنشاء دولة حزبية حقيقية، تخدمها هيئة انتخابية عززت قدر الإمكان أدوات السلطة الموضوعة في خدمة مصالحها. وتواجه الحكومة جهاز دولة معاديا، ويتعين عليها أن تتعامل مع الرئيس أندريه دودا، من حزب القانون والعدالة، الذي يتحمل بالكامل، بفضل حقه في النقض، إرث حزبه المتمثل في عدم احترام دولة الحق.
نظامان قانونيان متوازيان
وعلى مدى ثماني سنوات، أطاح حزب القانون والعدالة بالنظام المؤسسي البولندي من خلال انتهاك الدستور بشكل منهجي. وهكذا تجد السلطة الجديدة نفسها في مواجهة مؤسسات ضمرت، والتي أصبحت غير مفهومة حتى بالنسبة لأكثر رجال القانون خبرة. وأكثر من ألفي قاض يتولون مناصبهم منذ العام 2015، وضعهم القانوني مشكوك فيه، إذ تم تعيينهم من قبل مجلس قضائي “مُصلح” بطريقة غير دستورية. وتظل المحكمة الدستورية، التي أصبحت أيضا ملقطا مسيسا وأداة للسلطة المنتهية ولايتها، تشكل حالة شاذة قانونية لا يعترف بشرعيتها إلا حزب القانون والعدالة. أما بالنسبة للمحكمة العليا، فهي تجري مداولات متناقضة اعتمادا على ما إذا كانت الغرف المضبوطة تتألف من قضاة مستقلين أو معينين من قبل حزب القانون والعدالة.
لديك 50% من هذه المقالة لقراءتها. والباقي محجوز للمشتركين.

