اتهام بريطاني وتحقيق لم يحسم الرواية
قالت وزيرة الداخلية البريطانية إن إيران تستخدم جماعات بالوكالة، عبر دفع الأموال لمجرمين أو استغلال متطوعين لتنفيذ هجمات تستهدف بريطانيا ومواطنيها، مع إبقاء هامش للإنكار. وأكدت عدم التساهل مع التهديدات.
لكن قواص قال إن النشاط الإيراني المشتبه فيه ليس جديداً، وإن بريطانيا أعلنت سابقاً امتلاك أدلة على استهداف معارضين ووسائل إعلام إيرانية معارضة، وعلى وجود شبكات تجسس وجمعيات تستند إليها طهران.
ويرى قواص أن الجديد ترجيح لندن مسؤولية إيران عن فيرفورد، فيما لا تزال التفاصيل غامضة: لم تتضح غاية الشاحنات الثلاث قرب القاعدة، ولا ما كان يفعله الشبان الخمسة الذين أوقفوا، كما أُفرج عن شخصين بعد توقيفهما. ورغم دعم 29 دولة غربية لبريطانيا، يتساءل قواص عن التدابير التي ستتخذها لندن إذا كانت ترجح مسؤولية طهران عن اعتداء داخل أراضيها.
من خلل أمني إلى نهج ممتد
لا يحصر قواص المسألة في تقصير عابر، بل يطرح احتمال انعكاس سياسة تراكمت لعقود. فالتصور الأمني البريطاني، وفق قراءته، تعامل مع جماعات داخل البلاد لمراقبتها وحماية بريطانيا منها، مع إبقاء إمكان توظيف العلاقات معها خارجياً.
ويستشهد بالعلاقة التاريخية مع جماعة الإخوان المسلمين منذ خمسينيات القرن الماضي، وبملاذات آمنة لجماعات طُردت من دول أخرى، وباستمرار التحقيقات البرلمانية من دون إجراءات عقابية واسعة.
ويشير إلى أن جماعات متشددة كانت تصدر بيانات من لندن في التسعينيات، بينها جماعات ناشطة في الجزائر ومصر. ثم تغيرت السياسة بعدما استهدفت جماعات بريطانيا من الداخل، من دون قطيعة كاملة، بحسب قواص، مع النهج السابق. لذلك لا يعني تغير الحكومات بالضرورة تبدل ثوابت السياسة الأمنية والخارجية.
فيرفورد وأسئلة المراقبة
بدأت تفاصيل الحادثة، وفق قواص، بعد إبلاغ مواطنة عن شاحنات وأشخاص ملثمين قرب القاعدة. ونقل عن صحفي زار الموقع قبل أشهر استغرابه إمكان اقتراب الناس من سياج قاعدة استراتيجية من دون موانع واضحة. واستضافت القاعدة قاذفات أميركية من طرازات بي-1 وبي-2 وبي-52.
ولفت قواص إلى تضارب الروايات: تحدث رئيس الحكومة عن عدم توافر معطيات كافية وانتظار التحقيق، بينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الشبكات كانت تحت مراقبة الأميركيين والبريطانيين.
ثم بدأت لندن تتحدث عن احتمال تورط إيران، من دون تجاوز الترجيح. وفي المقابل، أخلت الولايات المتحدة الطائرات من القاعدة قبل اكتمال التحقيق البريطاني، وهو ما اعتبره قواص مؤشراً إلى امتلاك واشنطن معطيات لم تُعلن.
العزاوي: خلل في الإدارة والإنذار المبكر
قال العزاوي إن تقريراً بريطانياً مؤرخاً في 12 أكتوبر 2026 رصد مشكلات في القيادة والتدريب والتخطيط والقوى العاملة، إلى جانب تأخر المحاكمات وضعف المراقبة الإلكترونية.
وذكر أن أكثر من خمسة آلاف متهم يُفترض تركيب أنظمة متابعة لهم، لكن ذلك لم يُنجز، مع ضعف تحويل القرارات والموارد إلى أمن ملموس. ورغم عراقة المؤسسات البريطانية، رأى أن شبكات مرتبطة بإيران استغلت نقاطاً رخوة داخل المجتمع.
وأوضح أن التجنيد قد يستهدف مهاجرين غير نظاميين، أو أشخاصاً بدوافع مالية أو عقائدية، أو أفراداً مرتبطين بالاستخبارات الإيرانية والحرس الثوري ويعملون تحت واجهات تجارية. كما أشار إلى عصابات الجريمة المنظمة واحتمال استخدام الأموال والرشاوى للتأثير في مؤسسات سياسية أو أمنية. وفي تقديره، تُستخدم هذه الأدوات لتحقيق أهداف سياسية.
لماذا غاب الاستباق الاستخباري؟
يرى العزاوي أن اكتشاف الواقعة عبر اتصال مواطنة، لا عبر رصد استباقي، يثير أسئلة عن متابعة موقع استراتيجي رقمياً. فوظيفة الاستخبارات، بحسب قوله، هي اليقظة والاستباق وإجهاض الخطر قبل التنفيذ. كما طالب بتفسير كيفية تحرك عناصر يُشتبه في ارتباطها بالحرس الثوري، رغم أن أساليب عمله معروفة ويمكن كشفها في دول أخرى.
وحذر من أن نجاح عملية في القاعدة كان سيؤدي إلى كارثة بشرية ويضر بالأمن والسلم الدوليين، وربما يوسع المواجهة بين واشنطن ولندن وطهران. وذكر أن أساليب الهجمات المحتملة تشمل خطف الطائرات، واستهداف تجمعات مدنية، واحتجاز رهائن، وإرباك الأسواق والنقل، والتفجيرات، أو عمليات ينفذها أفراد منفردون. وأضاف أن أصحاب السوابق قد يُستقطبون وتُوظفهم شبكات التجنيد.
أوروبا أمام أسئلة مفتوحة
يرى قواص أن اضطراب السياسة البريطانية وتبدل الحكومات والخروج من الاتحاد الأوروبي ربما أسهمت في إرباك التوجهات الأمنية، بينما تبحث لندن عن توازن في علاقتها بواشنطن. ويحذر من أن ما ظهر قد يكون جزءاً من مشكلة أوروبية أوسع، مشيراً إلى نشاط إيراني في ألمانيا وفرنسا، وإلى اختلاف مواقف الدول من حزب الله والجماعات المرتبطة بإيران.
ويقول العزاوي إن التغلغل تراكمي وليس وليد الحادثة، وإن واجهات سياسية وأيديولوجية قد تسهم في التجنيد داخل بريطانيا وأوروبا. وبينما يتساءل قواص عما إذا كانت لندن ستحول تحذير وزيرة الداخلية إلى إجراءات، يطالب العزاوي بإجابات عن احتمال غض الطرف لأسباب سياسية أو حزبية، وعن حدود حماية السيادة.
لا يقدم النقاش رواية بشأن فيرفورد أو مسؤولية إيران، بل يكشف فجوة بين الاشتباه وما أعلنته التحقيقات. ويبقى على لندن توضيح ما جرى، وشرح أوجه القصور في الرصد، وتحديد ما إذا كانت ستتخذ إجراءات تتجاوز التصريحات.

