وتصدرت مشاركة “مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية” التحرك الحقوقي السوداني، من خلال بيان شفهي أمام اللجنة الإفريقية، وضع أمام المفوضين صورة شاملة لانهيار حماية المدنيين وسيادة القانون منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
ودعا البيان إلى رفض شرعنة السلطات التي فرضتها الحرب، ومواصلة تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الإفريقي حتى استعادة الحكم الدستوري المدني.
وقال المركز إن الحرب المستمرة في السودان تمثل انتهاكاً واسع النطاق للحقوق التي يكفلها الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والصكوك الإقليمية والدولية ذات الصلة.
ورسمت كلمة المركز صورة قاتمة للكارثة التي يعيشها السودانيون، موضحة أن المواجهات العسكرية والقصف الجوي وهجمات الطائرات المسيّرة واستخدام المدفعية الثقيلة داخل المناطق المأهولة أدت إلى مقتل المدنيين وتهجير الملايين، ودفعت أكثر من 20 مليون شخص إلى الجوع، وأخرجت نحو 19 مليون طفل من التعليم، إلى جانب تدمير نسبة كبيرة من المرافق الصحية.
وأكد المركز أن الانتهاكات لم تتوقف عند العمليات العسكرية، بل شملت الإعدامات خارج نطاق القضاء، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والاختفاء القسري، والعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي، والقتل بدوافع إثنية، فضلاً عن الهجمات المتكررة على المدنيين.
“كيماوي الجيش” أمام إفريقيا
وخصص مركز الخاتم عدلان الجزء الأبرز من كلمته للاتهامات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، محذراً من أن خطورتها تتجاوز حدود الحرب السودانية، لما تمثله من انتهاك جسيم لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وتهديد مباشر لحياة المدنيين وصحتهم.
وطالب المركز سلطة بورتسودان بالتعاون الكامل والشفاف مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والسماح لفرقها الفنية بدخول السودان من دون عوائق، لإجراء تحقيق مستقل وشامل ونزيه وفي الوقت المناسب.
كما دعا إلى الكشف عن أي منشآت مرتبطة بإنتاج الأسلحة الكيميائية، والإفصاح عن أماكن الذخائر ذات الصلة، وتمكين المنظمة الدولية من التحقق منها والإشراف على تدميرها وفقاً لالتزامات السودان بموجب الاتفاقية.
ويضع هذا المطلب قيادة الجيش أمام اختبار واضح؛ إذ لم يعد النفي السياسي كافياً في مواجهة اتهامات بهذه الخطورة. فإذا كانت سلطة بورتسودان واثقة من روايتها، فإن فتح المواقع والمنشآت والسجلات أمام الخبراء الدوليين هو الطريق الأقصر لإثباتها. أما تعطيل الوصول، فلا يؤدي إلا إلى تعميق الشكوك بشأن ما تحاول القيادة العسكرية إخفاءه.
وشدد المركز على أن هذه الاتهامات تستوجب تحقيقاً فنياً موثوقاً ومساءلة كل من يثبت تورطه في تطوير الأسلحة المحظورة أو إنتاجها أو تخزينها أو إصدار الأوامر باستخدامها، مؤكداً أن الصمت أو الإفلات من العقاب لا يمكن أن يكونا بديلاً عن كشف الحقيقة.
تحذير من ميليشيات الإخوان
وحذر البيان من تصاعد نفوذ الميليشيات المتشددة ومشاركة عناصرها في قيادة العمليات العسكرية، في وقت تواجه فيه سلطة بورتسودان اتهامات متزايدة بإعادة تمكين شبكات الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية.
وأشار المركز إلى أن المجتمعات المدنية في دارفور وأجزاء من كردفان تتعرض للهجمات والتهجير والحرمان من الخدمات والمساعدات، تحت غطاء اتهامات جماعية بالانتماء إلى أحد طرفي الحرب أو دعمه، بينما تواجه بعض المجتمعات التي رفضت التعبئة العسكرية مخاطر العقاب الجماعي والتجويع وعرقلة وصول الإغاثة.
كما أدان الانتقام من المدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين بسبب توثيقهم الانتهاكات ومطالبتهم بالمساءلة، محذراً من أن استهداف الشهود والحقوقيين يهدف إلى طمس الأدلة وإسكات الأصوات القادرة على ملاحقة المسؤولين.
لا شرعية لسلطات الحرب
ودعا مركز الخاتم عدلان اللجنة الإفريقية إلى اعتماد قرار قوي يطالب بوقف فوري لإطلاق النار، وإنشاء آلية دولية مستقلة لمراقبته، وفتح ممرات آمنة لحركة المدنيين، وضمان وصول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية من دون عوائق.
وطالب كذلك بوقف التدخلات الخارجية التي تطيل الحرب، بما فيها إمدادات السلاح وتمويل العمليات العسكرية وتقديم الغطاء السياسي والدبلوماسي للأطراف المتحاربة، مع تعزيز التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في دارفور.
وأكد البيان رفض إضفاء الشرعية على أي سلطة مفروضة بقوة السلاح، “سواء سلطة بورتسودان أو أي سلطة موازية”، مطالباً الاتحاد الإفريقي بمواصلة تعليق مشاركة السودان في أنشطته إلى حين استعادة الحكم الدستوري المدني.
ويقطع هذا الموقف الطريق أمام محاولات قيادة الجيش تقديم سلطتها باعتبارها حكومة شرعية، بينما تستند فعلياً إلى القوة العسكرية وتواصل الحرب من دون تفويض شعبي أو دستوري.
توثيق جرائم الجزيرة
وفي تحرك حقوقي موازٍ، دشنت منظمة دعم ضحايا دارفور، بالتعاون مع مؤتمر الكنابي، عضو التحالف الإفريقي “ائتلاف السودان”، تقريراً بعنوان (العنف القائم على الهوية واللون في السودان)، تناول الانتهاكات التي شهدتها منطقة كمبو طيبة بولاية الجزيرة بين 9 و11 يناير 2025.
وقال التقرير إن الجيش السوداني وما تسمى قوات “درع السودان” المتحالفة معه، إلى جانب مجموعات مسلحة أخرى، بينها عناصر من كتائب البراء بن مالك التابعة للحركة الإسلامية “الإخوان”، نفذوا هجمات ذات طابع إثني وعرقي.
ووثق التقرير، استناداً إلى شهادات ومعلومات جمعها معدّوه، ثلاث هجمات شملت عمليات قتل وإعدامات ميدانية وحرق منازل ونهب ممتلكات وتهجيراً قسرياً، داعياً إلى تحقيق دولي مستقل ومحاسبة المسؤولين وحماية المدنيين والناجين.
وتكشف مشاركة المنظمات السودانية في داكار أن سلطة بورتسودان لم تعد قادرة على حصر الانتهاكات داخل دائرة الإنكار المحلي. فمن “كيماوي الجيش” إلى جرائم الهوية واللون في الجزيرة، باتت الملفات تُعرض أمام المؤسسات الإفريقية مدعومة بالشهادات والتوثيق والمطالب القانونية المحددة.
والرسالة التي حملتها المنظمات السودانية واضحة: لا سلام من دون وقف الحرب، ولا انتقال حقيقياً تحت سلطة الجيش، ولا شرعية تُبنى فوق جثث المدنيين، ولا مستقبل للسودان من دون كشف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها واستعادة حكم مدني ديمقراطي مستقل عن طرفي القتال وشبكات الحركة الإسلامية.

