يأتي ذلك في الوقت الذي صرح رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، بأفل طالباني، أن “الحوارات بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني إذا لم تفضِ لاختيار مرشح واحد لرئاسة الجمهورية، فسيمضي الحزبان بمرشحين اثنين لشغل ذلك المنصب”.
تحركات سريعة
ظهرت ملامح هذه التحركات بعد الإفراج عن رئيس حراك الجيل الجديد، شاسوار عبد الواحد، في منتصف يناير الجاري، بعد أكثر من 5 أشهر في “الحبس الانفرادي” بحسب تصريحاته في أول مؤتمر صحفي بعد إطلاق سراحه بكفالة، والذي أكّد أن اعتقاله كان مرتبطا بأجندات انتخابية، وبهدف إبعاده عن الحملات الانتخابية ومنعه من التأثير في زيادة أصوات حراك الجيل الجديد.
وقد جاء الرد سريعا من رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، والذي ظهر في فيديو على منصة “إكس” قال فيه: “إذا كنتم مستعدين، فنحن مستعدون. سأزوركم أنا ومسؤولو الاتحاد الوطني الكردستاني يوم السبت”.
وبحلول الموعود، اجتمع رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، ورئيس حراك الجيل الجديد شاسوار عبدالواحد، ليأتي بعد ذلك المؤتمر الصحفي المشترك، ليعلنان التوصل إلى اتفاق لتشكيل الحكومة في كردستان.
وكان شاسوار قد أعلن عن أن الكتلة البرلمانية الخاصة بهما حصلت على أغلبية 50+1، وأن نجاح الاتفاق مع الاتحاد الوطني، قادر على تغيير موازين القوى في كردستان، فيما أكد طالباني أن المفاوضات متواصلة مع جميع الأطراف للتوصل إلى اتفاق مع الديمقراطي الكردستاني، ولكن بشكل مختلف عن السنوات الخمس الماضية.
وقد اعتبرت رئيس كتلة الجيل الجديد في البرلمان العراقي سروه عبدالواحد في تغريدة عبر منصة “إكس”، أن الهدف من اللقاء هو “إعادة التوازن السياسي في الإقليم، وتحقيق شراكة حقيقية في الحكم، بدلا من احتكار جميع المؤسسات من قبل حزب واحد والتحكم بمصير الإقليم”.
واعتبرت المبادرة على أنها خطوة تاريخية، وأن نجاحها من شأنه أن يحدث تغييرا في الخارطة السياسية للإقليم لأول مرة منذ عام 1996.
وقد عبرت سروه عبدالواحد رئيس كتلة الجيل الجديد في البرلمان العراقي أن الاتحاد الوطني والجيل الجديد يختلفان في الرؤية وتوجهاتهما سياسيا، لكن ما يجمعهما في هذه الاثناء هدفٌ مشترك هو “إعادة التوازن في إقليم كردستان”.
وفي تصريح خاص لـ”سكاي نيوز عربية” قالت عبدالواحد: “لا يمكن أن يكون إقليم كردستان بيد حزب واحد، والانفراد بالسلطة واحتكارها من قبل جانب، دون شراكة مع الآخرين. فللآخرين الحقّ أن يشاركوا مشاركة حقيقية في ادارة الإقليم”.
كما أعربت عن تمنياتها بأن يتفهم الحزب الديمقراطي هذا التحالف، لأنه جاء من أجل رسم التوازن في الإقليم، معللة ذلك بدعوات الديمقراطي الكردستاني الدائمة لشراكة حقيقة في بغداد، وأن الأولوية أن تكون المشاركة كذلك في إقليم كردستان على مستوى المناصب مع الأحزاب الأخرى.
وترى عبدالواحد بأنه ليست من مصلحة الديمقراطي تصعيد الأمور، لأن المحكمة الاتحادية لن تقبل ببقاء الوضع على ماهو عليه في الإقليم دون تفعيل البرلمان.
واستبعدت رئيس كتلة الجيل الجديد أي تدخّل لأطراف من بغداد في خلق هذا التقارب، وأن هذه المبادرة التي تم طرحها العام الماضي ولم ترى النور، قد وجدت ضالتها هذا العام بعد استجابة الاتحاد الوطني والتي ربما جاءت بعد وصول الاتحاد الوطني إلى طريق مسدود مع الديمقراطي الكردستاني.
الديمقراطي الكردستاني بين الواقعية والتصعيد
وعن وجهة نظر حزب الديمقراطي الكردستاني، فقد رأى الدكتور ماجد شنكالي عضو الحزب، وعضو البرلمان العراقي السابق أن هذا الحراك كان طبيعيا من جانب الاتحاد الوطني والجيل الجديد، لكنه أعرب عن غياب الواقعية في تصريح شاسوار في الوصول إلى أغلبية 50+1.
وقال شنكالي في تصريحٍ لـ”سكاي نيوز عربية أنه “لا يمكن تشكيل حكومة في الإقليم دون مشاركة الديمقراطي، أو حتى دون مشاركة الاتحاد الوطني، بسبب الجغرافيا السياسية التي يتحكم بها كلا الحزبين”.
وقد وجد شنكالي أن التقارب بين الطرفين هو محاولة لممارسة للضغط على الديمقراطي الكردستاني، لكن الواقعية السياسية -بحسب تعبيره- تقول بأنه “لا يمكن تشكيل اي حكومة في الإقليم دون مشاركة الديمقراطي الكردستاني ودون ان يكون هو من يتولى تشكيلها، خاصًة في ظل الظرف والتوقيت الحالي”.
ويرى عضو الديمقراطي الكردستاني بأن هذا الحراك قد يكون محاولة ضغط في ملف انتخاب رئيس الجمهورية، حتى في ظل دعوات فصل هذا الملف والمناصب في بغداد وحكومة الإقليم عن بعضهم بعضا، لكنها بحسب شنكالي مستمرة في التداخل. وبالحديث عن التوقيتات الدستورية الخاصة برئاسة الجمهورية، رأى شنكالي بأن هناك وقت للتفاوض، وإذا لم يتم الاتفاق فالفضاء الوطني هو الفيصل، كلّ بمرشحيه.
وكان د. ريبين سلام عضو الديمقراطي الكردستاني قد وصف محاولات خلق واقع جديد في الإقليم من قبل الاتحاد الوطني والجيل الجديد بالمحاولات “البائسة”، معتبرا في تصريحاته لـ”سكاي نيوز عربية” أن “الإفراج عن شاسوار عبدالواحد كان مقابل مقاعده البرلمانية، وأن الشقاق سيدبّ في الجيل الجديد في الوقت الذي لا يبدو ان جميع نوابه مرحبين بهذه الخطوة”، واستبعد في ذات التوقيت فرضية الوصول إلى 50+1، مطلقًا على هذه التحركات بـ”الخطوة التي ولدت ميته”.
ورأى عضو الديمقراطي الكردستاني أن هكذا خطوة جاءت لمحاولة “استغلال ظروف المنطقة لمصالح حزبية، بدلا من تفضيل المصلحة العامة للكورد”.
واتهم ريبين سلام بعض الأطراف داخل الإطار التنسيقي بتشجيع الاتحاد الوطني على اتخاذ إجراءات من شأنها تعقيد المشهد في الإقليم، كعرقلة تشكيل حكومة الإقليم والتقارب الأخير مع الجيل الجديد، في الوقت الذي ينأى مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني بنفسه عن التدخل في تشكيل الحكومة، كونها استحقاق يقتصر على الإطار التنسيقي.
ويرى سلام أن على الإتحاد الوطني ترك أسلوب “رجل في المعارضة، ورجل في الحكومة”، في الوقت الذي اعتبر أن ما يحرك الديمقراطي الكردستاني هي المصلحة العامة للإقليم، وأن تنازلات الحزب حضرت دائمًا للاتحاد الوطني للمحافظة على السلم والأمن الاجتماعي.
الاتحاد الوطني والبحث عن تنازلات
من جانبه تحدث مصدر مطلع في الاتحاد الوطني الكردستاني عن أن “سبب التقارب بين الاتحاد الوطني والجيل الجديد هو التأخر في حسم تشكيل حكومة إقليم كردستان”، ومع اعتقاده بأن هكذا خطوة قد تشكل ضغطا على الديمقراطي الكردستاني، إلا أنه لا يمكن تشكيل حكومة قوية دون مشاركة الحزبين الحاكمين فيها.
وأضاف المصدر في تصريحاته لـ”سكاي نيوز عربية” أن “الرسائل من وراء المؤتمر الصحفي وما تمخض عنه، بها جزئية تتعلق بأطراف في الإطار التنسيقي تعمل على مجاملة الديمقراطي الكردستاني، من أجل تحقيق مكاسب -بحسب تعبيره- وأن الاتحاد الوطني من خلال هذا المؤتمر أكّد بأنه طرف لا يمكن تجاوزه في المعادلة”.
وأعتبر المصدر أن وصول الاتحاد الوطني مع الجيل الجديد إلى 40 مقعد، من شأنه تعقيد المشهد في حال عدم تقديم الديمقراطي تنازلات في ظل حيازته على 42 مقعدا، وأن التنازلات التي يريدها الاتحاد الوطني إلى جانب الأحزاب الأخرى في الإقليم هي في المناصب السياسية، والأمنية داخل الإقليم والتي يحتكرها الديمقراطي الكردستاني -بحسب توصيفه-.
أما عضو الاتحاد الوطني الكردستاني أحمد الهركي، فقد رأى أن استمرار الانسداد السياسي في الإقليم دون حل، قد يقود إلى رفع دعوى إلى المحكمة الاتحادية من احد الأطراف بشأن الانسداد السياسي، وعدم تشكيل حكومة، وهذا قد يؤدي إلى حلّ البرلمان الحالي في الإقليم وإعلان انتخابات جديدة.
وقد رأى الهركي في تصريحاته لـ”سكاي نيوز عربية” إلى أن فرضية حل البرلمان وإعلان الانتخابات بها معضلات صعبة لكنها غير مستحيلة، مثل التكاليف المادية لها بسبب الأوضاع المادية التي يواجهها الإقليم إلى جانب العاصمة بغداد، والاستعداد النفسي والتي يبدو ان الشعب الكردي غير جاهز لها، إلى جانب مصلحة الأطراف التي حققت نتائج جيدة بانتخابات 2024.
أما في التوقيتات الدستورية، فيرى الهركي بأن التطورات الإقليمية في سوريا، وإيران تحتم على الكتل السياسية الاستعجال في تشكيل الحكومة المركزية ببغداد، وتسمية الرئاستين بأسرع وقت.
وفي الوقت الذي رأى محللون غياب التوافق بين الحزبين الحاكمين في كردستان في ملف رئاسة الجمهورية، فإن ما صدر من تصريحات في المؤتمر الصحفي بين الاتحاد الوطني والجيل الجديد قادر على تعقيد المشهد بشكل أكبر، حتى في ظل إعلان تيار الموقف الوطني الكردي وجماعة العدل الكردستانية استمرارهم في صفوف المعارضة داخل الإقليم.
وتتوجه الأنظار صوب الديمقراطي الكردستاني مع التزامه الصمت وعدم إصدار بيان على ما تمخض من هذا المؤتمر لأسباب قد تتعلق بالوضع العسكري في سوريا بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية، واللقاءات التي تمت في أربيل حيال هذا الملف. ولربما ينعكس هدوء الجبهة السورية-الكردية، في إعادة فتح ملفات الإقليم والنظر فيها.
