وتضع خريطة الطريق الجديدة نتنياهو بين ضغطين: رئيس أميركي يريد تنفيذ خطته، وائتلاف يميني قد يتفكك إذا دخلت لجنة التكنوقراط الفلسطينية وقوات الاستقرار الدولية إلى غزة.
وفي الوسط، تبقى عقدة سلاح حماس والأنفاق وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي قادرة على نسف المسار بأكمله.
وتتضمن الخطة الأميركية انسحاباً إسرائيلياً مرحلياً مقابل نزع سلاح الفصائل، وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية، ونشر قوة دولية مؤقتة تتولى دعم الاستقرار وتدريب شرطة فلسطينية وتأمين المساعدات.
وتستند هذه الترتيبات إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر عام 2025، الذي أقر إدارة انتقالية للقطاع تحت إشراف “مجلس السلام”.
تفاهمات خلف الأبواب
يرى كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي يوحنان تسوريف أن قراءة موقف نتنياهو تبدأ من علاقته الشخصية بترامب، مرجحاً وجود تفاهمات غير معلنة تسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بالاعتراض أمام جمهوره من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.
وقال تسوريف، خلال حديثه إلى “رادار” على سكاي نيوز عربية، إن الخطة تثير مخاوف واسعة داخل إسرائيل لأنها لا تقدم، وفق القراءة الإسرائيلية، ضمانات كافية بشأن اختفاء حماس قوة عسكرية أو تدمير الأنفاق ومنع إعادة بناء الترسانة.
وتزداد حساسية هذه المخاوف مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر، إذ يخشى نتنياهو أن تتحول أي تنازلات في غزة إلى سلاح انتخابي بيد اليمين المتطرف، وأن تهدد تماسك ائتلافه الحكومي.
لكن المعارضة لا توفر له مخرجاً سهلا، فهي تتهمه بإطالة الحرب وإضاعة فرص سابقة للإفراج عن المحتجزين، لكنها تشاركه في الوقت نفسه القلق بشأن مصير سلاح حماس والجهة التي ستضمن منع إعادة التسلح.
وبذلك يجد نتنياهو نفسه أمام مجتمع يريد إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار، لكنه لا يثق بالترتيبات المقترحة لليوم التالي في غزة. وهذه المساحة المتناقضة هي التي يحاول رئيس الوزراء استثمارها انتخابياً.
التكنوقراط.. اختبار الطاعة
يعتبر تسوريف أن دخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى غزة سيكون الاختبار الفاصل لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل بدأت تنفيذ خطة ترامب بالفعل أم لا.
وقال إن نتنياهو لا يستطيع تجاهل المطالب الأميركية أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع ترامب، لكنه يحاول تأجيل الخطوات التي قد تفجر ائتلافه، فإذا دخلت اللجنة، سيعني ذلك بدء انتقال إدارة القطاع إلى جهة فلسطينية جديدة، وقبول إسرائيل، ولو جزئياً، بالتصور الأميركي.
وتكمن صعوبة الخطوة في أنها لا تتعلق بإدارة الخدمات وحدها، بل تفتح الطريق أمام نشر قوات الاستقرار الدولية، وتدريب شرطة فلسطينية، وربط الانسحاب الإسرائيلي بمراحل تنفيذية تتحقق منها جهات خارجية.
ويرجح تسوريف أن تراهن الأطراف على شراء الوقت حتى الانتخابات، مستفيدة من هدوء ميداني نسبي. لكنه حذر من أن عودة القصف والاشتباكات وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا قد تنسف الترتيبات وتعيد الجميع إلى نقطة الصفر.
نتنياهو يبحث عن طوق نجاة
من جهته، يقدم الخبير في الشؤون الأمنية والسياسية عدنان الضميري قراءة أكثر حدة، معتبراً أن بقاء نتنياهو في السلطة بات المحرك الأساسي لمواقفه، وأن قراراته في غزة والضفة الغربية تخضع للحسابات الانتخابية ومحاولته التنصل من مسؤولية إخفاقات السابع من أكتوبر.
ويرى الضميري أن ميزان القوى تغير بعد إنشاء “مجلس السلام” برئاسة ترامب، إذ باتت واشنطن تمتلك الخطة والغطاء الدولي وآليات التنفيذ والتمويل، بينما تقلصت قدرة إسرائيل على رفض المشروع بالكامل.
ووصف الضميري نتنياهو، في تعبير سياسي لافت، بأنه أصبح أشبه بـ”رئيس شركة أمنية يملكها ترامب”، مشيراً إلى أنه قد يعترض في العلن لكنه يطبق أجزاء من الخطة على الأرض، اعتماداً على أن الرئيس الأميركي يتسامح مع الخطاب الانتخابي ما دام التنفيذ مستمراً.
كما حذر من احتمال نقل التوتر إلى الضفة الغربية عبر توسيع العمليات العسكرية أو إطلاق يد المستوطنين، بما يوفر لنتنياهو أزمة جديدة يعيد من خلالها تعبئة قاعدته اليمينية وتقديم نفسه بوصفه رجل الأمن القادر على حماية إسرائيل.
ويرى الضميري أن نتنياهو لا يزال يبحث عن “منقذ” يمنحه صورة انتصار يمكن تسويقها انتخابياً، بعدما أخفقت حكومته في تحقيق جميع الأهداف التي أعلنتها للحرب، وفي مقدمتها القضاء الكامل على حماس واستعادة جميع المحتجزين بالقوة.
ويبقى الاختبار الحاسم مرتبطاً بمن سيحكم غزة فعلياً. فإذا دخلت لجنة التكنوقراط وانتشرت قوات الاستقرار وبدأ الانسحاب الإسرائيلي، يكون نتنياهو قد رضخ لخطة ترامب رغم اعتراضاته. أما إذا بقيت اللجنة خارج القطاع، فسيعني ذلك أن واشنطن سمحت للحسابات الانتخابية الإسرائيلية بتجميد مشروعها.
وحتى ذلك الحين، سيواصل نتنياهو المناورة بين رفض الخطة في العلن وتنفيذها بالتقسيط، لكن قدرته على شراء الوقت تتراجع. فغزة لم تعد مجرد ساحة حرب، بل أصبحت اختباراً لحدود نفوذ ترامب ومصير ائتلاف نتنياهو معاً.
