فمن رجلٍ عاش بين 45 دونماً من الأراضي الزراعية شرق مدينة غزة، إلى نازح في خيمة بمواصي خان يونس، تختزل حكايته وجهاً من وجوه المأساة الإنسانية التي يعيشها كبار السن والمرضى في القطاع.
في حي الزيتون شرق مدينة غزة، كانت الأرض بالنسبة لفتحي أكثر من مصدر رزق؛ كانت ذاكرة العائلة وهويتها. امتلك الرجل 45 دونماً مزروعة بأشجار زيتون معمرة تجاوز عمر بعضها أربعة قرون، وظلت شاهدة على تعاقب أجيال من أسرته.
لكن الحرب بدلت كل شيء. فقد جُرفت الأرض، واقتُلعت الأشجار التاريخية، ودُمر المنزل الذي جمع أبناءه وأحفاده لسنوات طويلة.
يستعيد فتحي تلك اللحظات بألم قائلا لموقع “سكاي نيوز عربية”: “أشجار الزيتون التي اقتلعت كانت أكبر مني بعقود؛ عمرها 400 سنة. اقتلاعها لم يكن تجريفاً للأرض فحسب، بل كان اقتلاعاً لقلبي من مكانه”.
ومع فقدان الأرض والمنزل، اضطر الحاج فتحي إلى النزوح نحو مواصي خان يونس، حيث يعيش اليوم في خيمة وسط ظروف معيشية قاسية. إلا أن رحلة النزوح حملت معها مأساة أخرى؛ إذ تعرض لإصابة أدت إلى كسر في مفصله، أفقده القدرة على الحركة بصورة طبيعية، قبل أن تتفاقم معاناته مطلع هذا العام بإصابته بالفشل الكلوي، ليصبح بحاجة إلى 3 جلسات غسيل أسبوعياً للبقاء على قيد الحياة.
ويصف التحول القاسي الذي عاشه قائلاً: “كنت في أرضي ملكاً بين 45 دونماً خضراء، واليوم في المواصي أصارع الكسر والفشل الكلوي كي أحصل على جلسة علاج تبقيني على قيد الحياة”.
ومع انهيار المنظومة الصحية، ونقص الوقود، وتعطل معظم وسائل النقل، بات الوصول إلى مركز غسيل الكلى رحلة شاقة. فلا يجد الحاج فتحي وسيلة سوى عربة بدائية تجرها الدواب، تنقله من خيمته إلى مركز غسيل الكلى في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس.
ويقول: “مع كل جورة تقع فيها عربة الدواب، أشعر وكأن المفصل المكسور يُعاد كسره من جديد. الطرقات المدمرة لا ترحم شيخوختي ولا جرحي”.
ولا تقف معاناته عند وعورة الطريق، إذ يواجه حرارة الصيف الحارقة فوق العربة المكشوفة، في رحلة تستغرق وقتاً طويلاً تحت أشعة الشمس.
ويضيف: “تحرقني أشعة الشمس فوق هذه العربة المكشوفة حتى أدخل في حالة من الهذيان. بين كل ضربة شمس وأخرى، أغمض عينيّ لأرى زيتون الحي وظلاله التي حُرمت منها”.
وعندما يصل إلى مركز العلاج، يكون قد استنزف جزءاً كبيراً من طاقته قبل أن تبدأ جلسة الغسيل، التي تستمر ساعات وتترك جسده أكثر إنهاكاً، ليعود بعدها بالطريقة نفسها إلى خيمته.
ويختصر تلك الرحلة اليومية بكلمات موجعة: “أخرج من خيمتي مكسوراً لأغسل دمي، وأعود محمولاً فوق عربة حيوان كي أتنفس يوماً آخر. أتساءل دائماً: هل يطيق هذا الجسد المنهك كل هذا الألم؟”
