الجمعة _2 _أكتوبر _2026AH

وقالت المجلة، في عددها الأخير، الصادر في أكتوبر 2026، إن الملف الذي سربته وكالة استخباراتية في الشرق الأوسط إلى صحيفة “نيويورك تايمز” يضيف أدلة جديدة تشير إلى أن السودان طوّر وأنتج، على مدى 6 أشهر خلال عام 2024، أسلحة كيميائية قائمة على الكلور.

ووفقاً للمادة المنشورة بعنوان “ملف سري يضيف أدلة جديدة بشأن الأسلحة الكيميائية في السودان”، يتضمن الملف صوراً فوتوغرافية ومقاطع فيديو ووثائق تظهر “وحدة عسكرية سودانية سرية يُقال إنها أنتجت ذخائر قائمة على الكلور لاستخدامها ضد قوات الدعم السريع”.

وقالت “نيويورك تايمز” إنها حصلت على الملف بشرط عدم الكشف عن هوية المصدر، في ظل حساسية المعلومات وطبيعة الجهة الاستخباراتية التي سرّبته.

من الصحافة إلى دوائر منع الانتشار

وتصدر مجلة “آرمز كنترول توداي” عن جمعية الحد من التسلح الأميركية (Arms Control Association – ACA)، وهي مؤسسة أميركية مستقلة غير ربحية وغير حزبية، مقرها واشنطن، تأسست عام 1971.

وتتمثل مهمتها الأساسية في تعزيز الفهم العام ودعم السياسات الفاعلة في مجالات الحد من التسلح ونزع السلاح ومنع الانتشار، بما يشمل الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية وقضايا الأمن الدولي المرتبطة بها.

وتعد الجمعية من المؤسسات الأميركية المتخصصة والمعروفة في هذا المجال؛ إذ تقدم التحليلات والمعلومات إلى صناع السياسات والصحفيين والباحثين حول العالم، وتنظم إحاطات ومناقشات بشأن التطورات المهمة في قضايا التسلح ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل.

ويعني وصول قضية استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان إلى “آرمز كنترول توداي” أنها لم تعد متداولة فقط في الصحافة العامة، بل دخلت بصورة واضحة إلى دائرة أميركية متخصصة في الحد من التسلح ومنع الانتشار، يقرأ إنتاجها ويتعامل معه باحثون وصناع سياسات ومسؤولون ومختصون في هذه الملفات.

كما يمنح نشر القضية في منبر متخصص زخماً إضافياً للمطالب بإحالتها إلى تحقيق فني مستقل، يتجاوز الجدل السياسي والنفي الإعلامي إلى فحص المواقع والذخائر والعينات وسلاسل التوريد والسجلات العسكرية.

ملف يعزز الاتهامات الأميركية

وقالت المجلة إن الملف الجديد يعزز الاتهامات التي وجهتها الولايات المتحدة إلى السودان في أبريل 2025 بشأن استخدام أسلحة كيميائية خلال عام 2024.

وخلال الدورة الثانية عشرة بعد المئة للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي عُقدت بين 7 و10 يوليو الماضي، جددت الولايات المتحدة تمسكها بتلك الاتهامات، ودعت إلى إجراء تحقق مستقل وإتاحة الوصول إلى المواقع المعنية.

وأشارت “آرمز كنترول توداي” إلى أن الولايات المتحدة لم تنشر علناً الأدلة التي استندت إليها في استنتاجاتها. غير أن الملف المسرّب، بحسب المادة، يضيف صوراً ووثائق ومقاطع مصورة تتعلق بوحدة عسكرية سرية قيل إنها تولت إنتاج ذخائر كيميائية قائمة على الكلور.

وتكمن أهمية الملف في أنه لا يقتصر على الحديث عن أعراض أو شهادات من مواقع الهجمات، بل يتناول جانب الإنتاج العسكري المحتمل، والجهة التي صنعت الذخائر، والفترة الزمنية التي جرى خلالها تطويرها، والغرض المفترض من استخدامها.

ومن شأن التحقق من هذه المعلومات أن يوسع نطاق المسؤولية من منفذي الهجمات الميدانيين إلى سلسلة القيادة والجهات التي موّلت البرنامج ووفرت المواد والمنشآت والخبرات وأصدرت أوامر الإنتاج أو الاستخدام.

التزام قانوني واضح

وأكدت المجلة أن السودان أصبح عضواً في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في مايو 1999، ودولة طرفاً في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ يونيو من العام نفسه، ما يجعله ملزماً قانوناً بعدم تطوير الأسلحة الكيميائية أو إنتاجها أو تخزينها أو استخدامها تحت أي ظرف.

ويحظر القانون الدولي استخدام المواد الكيميائية السامة سلاحاً، حتى عندما تكون المادة نفسها ذات استخدامات مدنية مشروعة. فالكلور يُستخدم في معالجة المياه والصناعات المدنية، لكنه يصبح سلاحاً كيميائياً عندما يُوظف عمداً لإحداث الوفاة أو الإصابة من خلال خصائصه السامة.

وتواصل السلطات التابعة للجيش السوداني رفض الاتهامات، لكنها لم تسمح حتى الآن بإجراء تحقيق دولي مستقل يشمل دخول المواقع العسكرية المشتبه بها، وفحص المخازن والسجلات والذخائر، وجمع العينات البيئية والطبية، وتتبع سلسلة توريد الكلور والجهات التي تسلمته.

النفي لا يغلق الملف

وتأتي هذه التطورات بينما تسببت الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 في أكبر أزمة إنسانية ونزوح في العالم. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، كان 33.7 مليون سوداني، أي أكثر من ثلثي سكان البلاد، في حاجة ماسة إلى مساعدات منقذة للحياة حتى 24 أغسطس 2026.

وفي ظل هذا الحجم من المعاناة، تضيف احتمالات استخدام سلاح محظور دولياً بُعداً أكثر خطورة إلى الحرب، خصوصاً أن التعرض للمواد السامة قد يترك آثاراً صحية وبيئية طويلة الأمد، ويصعب توثيقه مع مرور الوقت واختفاء البقايا وتغير المواقع وتشتت المصابين والشهود.

ولم يعد بإمكان قيادة الجيش التعامل مع الملف باعتباره حملة إعلامية أو سياسية يمكن احتواؤها ببيانات النفي. فقد انتقلت الاتهامات من الصحافة الدولية والتقييمات الاستخباراتية إلى الكونغرس الأميركي وخبراء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ووصلت الآن إلى واحدة من أبرز الدوائر الأميركية المتخصصة في الحد من التسلح ومنع الانتشار.

ويضع ذلك قائد الجيش عبد الفتاح البرهان أمام خيار واضح: السماح بتحقيق دولي مستقل وفتح المواقع والسجلات والمنشآت أمام الخبراء، أو تحمل مسؤولية عرقلة الوصول إلى الحقيقة وتعميق الشكوك بشأن برنامج كيميائي محتمل داخل المؤسسة العسكرية.

فإذا كانت قيادة الجيش واثقة من نفيها، فإن التحقيق المستقل هو الطريق الأقصر لإثباته. أما منع المفتشين وحجب المواقع والسجلات، فلن يغلق ملف “كيماوي الجيش”، بل سيزيد الضغط الدولي للكشف عما تحاول سلطة بورتسودان إخفاءه، ومحاسبة كل من شارك في تطوير هذه الأسلحة أو إنتاجها أو أصدر أوامر باستخدامها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version