وتزامن الجدل مع تأكيد المواقف الرسمية اللبنانية أن العلاقات الخارجية يجب أن تدار عبر مؤسسات الدولة، إلى جانب التشديد على إنهاء حالة العداء مع إسرائيل وتنفيذ اتفاق الإطار.
وخلال حديثهما إلى “الظهيرة” على “سكاي نيوز عربية”، قدم الباحث السياسي مهدي عقيل والباحث السياسي شارل جبور رؤيتين متعارضتين بشأن العلاقة مع طهران، وموقع حزب الله داخل المعادلة اللبنانية، وحدود الدبلوماسية في التعامل مع إسرائيل.
إيران.. حوار أم قطيعة؟
يرى عقيل أن جزءا من المشكلة اللبنانية يرتبط بطريقة تعامل السلطة السياسية مع الدول الخارجية، معتبرا أن الاتجاه نحو العداء مع إيران يتناقض مع السعي إلى إنهاء حالة العداء مع إسرائيل.
ويقول إن مصلحة لبنان، في ظل المأزق الذي يواجهه، تقتضي الاستفادة من جميع الأصدقاء والحلفاء والطاولات التي تجمع أطرافا إقليمية ودولية، بما في ذلك إيران. ويشدد على أن وجود خلافات مع طهران لا يمنع الجلوس معها ومناقشة الملفات العالقة والبحث عن حلول.
وينتقد عقيل تركيز وزارة الخارجية جهودها على الملف الإيراني، داعيا إلى سياسة خارجية تقوم على الحوار وإدارة الخلاف، بدلا من تحويله إلى مواجهة مستمرة لا تخدم، وفق تقديره، مصالح الدولة اللبنانية.
في المقابل، ينطلق جبور من قاعدة “المعاملة بالمثل”، معتبرا أن بيان الخارجية اللبنانية استند إلى مبدأ أخلاقي وقيمي يشكل أحد أسس العلاقات الدبلوماسية.
ويستشهد جبور بالدعم الإيراني لحزب الله، قائلا إن تطبيق قاعدة المعاملة بالمثل كان سيعني أن يدعم لبنان فصائل موجودة داخل إيران. ويؤكد أن لبنان يريد أفضل العلاقات مع طهران وغيرها من الدول، لكنه يرفض دعم أي دولة لمجموعة مسلحة تعمل داخل أراضيه.
ويرى أن إيران تمكنت من الدخول إلى دول عدة عبر مكونات دعمتها عقائديا وبالمال والسلاح. وبناء على ذلك، يعتبر أن استمرار دعمها لحزب الله يستدعي قطع العلاقات معها، داعيا الدولة اللبنانية إلى إنهاء هذا الوضع.
حزب الله.. مكون لبناني أم أداة إيرانية؟
يرفض عقيل إخراج حزب الله من دائرة المكونات اللبنانية، مستندا إلى الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة، ومشيرا إلى أن بعض الأحزاب التي ينتمي إليها خصومه لم تحصل بالضرورة على عدد مماثل من الأصوات.
ويربط نشأة الحزب بالأوضاع التي عاشها الجنوب اللبناني، معتبرا أنه لم يظهر من فراغ، بل نتيجة تقاعس الدولة عن حماية الجنوب. ويستحضر تحرير لبنان عام 2000.
ويستند عقيل إلى ذلك للقول إن الدبلوماسية وحدها لا تكفي، وإن لبنان يحتاج إلى امتلاك قدر من القوة. كما يرى أن مأزق البلاد لا يختزل في حزب الله، بل يشمل الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة واتفاق الإطار، وهي ملفات تتطلب، وفق رؤيته، الجمع بين أدوات سياسية ودبلوماسية وميدانية.
أما جبور، فيعتبر أن حزب الله ارتكب خطأ في تقديراته عندما دخل المواجهة في 8 أكتوبر، ويربط ذلك بتدمير بلدات الجنوب وتهجير مليون لبناني ومقتل آلاف اللبنانيين.
ويقول إن هذه النتائج تعود إلى طبيعة الحزب التي يصفها بأنها “ميليشيوية”، وإلى ارتباطه بالمشروع الإيراني، معتبرا أن الحزب تصرف بوصفه أداة لطهران، لا باعتباره قوة تخضع بالكامل لقرار الدولة اللبنانية.
جدل الردع والتوازن مع إسرائيل
يرفض جبور اعتبار الهدوء بين عامي 2006 و2023 دليلا على نجاح حزب الله في فرض توازن ردع مع إسرائيل. ويرى أن ذلك التوازن كان هشا، وأن إسرائيل تمكنت من الإطاحة به عندما قررت مواجهة الحزب.
كما يعتبر أن تجربتي إسناد غزة وإسناد طهران أظهرتا عدم قدرة حزب الله على فرض توازن رعب أو تقديم إسناد فعال، وكشفتا خللا في ميزان المواجهة العسكرية.
ويشير جبور إلى وجود إسرائيل في جنوب الليطاني وتثبيتها مواقع وقواعد، بالتزامن مع عدم قدرة السكان على العودة إلى منازلهم وقراهم. ومن هنا يدعو حزب الله إلى تسليم سلاحه، معتبرا أن استمراره يعني بقاء التهجير والتدمير والوجود الإسرائيلي في مواقع متقدمة.
في المقابل، يتساءل عقيل عن الجهة القادرة حاليا على مواجهة العمليات الإسرائيلية وعمليات التدمير والتفجير. ويؤكد أن لبنان يعيش مأزقا حقيقيا، وأن الاعتماد على الدبلوماسية وحدها أو تسليم القرار للولايات المتحدة لا يوفران حلا.
وبين الدعوة إلى حصر السلاح والعلاقات الخارجية بيد الدولة، والتحذير من التخلي عن عناصر القوة من دون ضمان وقف الاعتداءات الإسرائيلية، يبقى لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد: كيفية استعادة قرار الدولة وسيادتها، من دون ترك البلاد مكشوفة أمام إسرائيل.
