وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن، الأربعاء، أكدت هانا تيتيه أن دفع العملية السياسية إلى الأمام لا يزال أمرا بالغ الأهمية، معتبرة أن ليبيا تمر بمرحلة حاسمة تتطلب تعزيز المؤسسات الموحدة وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية شاملة.
لكن الممثلة الأممية أقرت في الوقت نفسه بأن تنفيذ خارطة الطريق قد يستغرق وقتاً أطول مما كان متصورا في البداية، معتبرة أن تمديد المسار لا يعني فقدان البوصلة، بقدر ما يعكس محاولة للتكيف مع الواقع السياسي ومواقف الأطراف الليبية والشركاء الدوليين.
4+4.. من الحوار إلى الاختبار
وتأتي إحاطة تيتيه بالتزامن مع اقتراب المجموعة المصغرة المعروفة بـ”4+4″ من اختتام أعمالها بعد تشكيلها على خلفية تعثر مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في التوصل إلى تفاهمات بشأن إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والإطارين الدستوري والقانوني المنظمين للاستحقاق الانتخابي.
وبحسب تيتيه، تدرس البعثة الأممية أفضل السبل للانتقال إلى المحطة التالية من خارطة الطريق، والتي تركز على الدفع باتجاه توحيد الحكومة والمؤسسات القادرة على قيادة البلاد نحو الانتخابات.
ويضع هذا التطور المسار الأممي أمام اختبار مختلف؛ فالمطلوب لم يعد إطلاق مبادرة سياسية جديدة، وإنما تحويل ما تم التوصل إليه خلال الأشهر الماضية إلى ترتيبات سياسية ومؤسسية قابلة للتنفيذ.
وهنا تبرز المعضلة الأساسية: هل تستطيع البعثة الانتقال من إنتاج التفاهمات إلى فرض مسار عملي لتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، أم أن “4+4” ستنضم إلى قائمة طويلة من المبادرات التي انتهت عند حدود الحوار؟.
معالجة الجذور لا إدارة الانقسام
وترى عضو الحوار المهيكل ولجنة المصالحة وحقوق الإنسان، حنين بوشوشة، أن أهمية إحاطة تيتيه تكمن في إعادة التأكيد على مخرجات الحوار المهيكل ومسار «4+4»، وعلى ضرورة الانتقال من إدارة الانقسام إلى معالجة جذوره.
وتقول بوشوشة لـ”سكاي نيوز عربية” إن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة هذه المخرجات على إنتاج مسار سياسي قابل للتنفيذ يقود إلى إنهاء ازدواجية السلطة وتوحيد مؤسسات الدولة، بدلاً من أن تتحول إلى توصيات جديدة تضاف إلى سلسلة المبادرات السابقة.
وتعتبر أن المرحلة المقبلة يفترض أن تركز على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وتهيئة الظروف السياسية والقانونية لإجراء انتخابات وطنية.
لكن الانتخابات، بحسب بوشوشة، لا يمكن أن تكون مجرد شعار سياسي، إذ تحتاج إلى قواعد دستورية وقانونية متوافق عليها، ومؤسسات موحدة، وضمانات أمنية وسياسية تسمح لجميع الأطراف بقبول نتائجها.
الانتخابات وحدها لا تكفي
ولا ترى بوشوشة أن إنهاء الأزمة الليبية يمكن اختزاله في تنظيم الانتخابات، معتبرة أن مسار العدالة والإصلاح يمثل جانبا أساسيا من عملية بناء الدولة.
وتقول إن التسوية السياسية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع معالجة ملفات العدالة الانتقالية والمصالحة وسيادة القانون، داعية إلى تحويل مخرجات مؤتمر العدالة والإصلاح إلى سياسات وتشريعات وآليات تنفيذ واضحة.
كما تربط ذلك بملف حقوق الإنسان وحماية النساء، معتبرة أن واقعة جلد امرأة في سبها، رغم أهمية الاستجابة السريعة من السلطات، تكشف الحاجة إلى منظومة مؤسسية وتشريعية أكثر قوة لحماية النساء ومساءلة مرتكبي الانتهاكات.
وتدعو إلى الإسراع في اعتماد قانون متكامل لحماية المرأة من العنف، وإنشاء آليات وطنية فعالة للحماية والاستجابة.
وبحسب بوشوشة، فإن نجاح المسار الذي تقوده تيتيه لن يقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، وإنما بقدرته على تحويل مخرجات الحوار والعدالة والإصلاح إلى خطوات سياسية وتشريعية ومؤسسية تقود إلى حكومة موحدة ومؤسسات موحدة وانتخابات قابلة للتنفيذ.
الكهرباء.. الوجه المعيشي للانقسام
ولم تقتصر إحاطة تيتيه على المسار السياسي، إذ وضعت الأزمة المعيشية في صلب تقييمها للوضع الليبي، خصوصا أزمة الكهرباء التي أثارت موجة من السخط الشعبي بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة.
وقالت تيتيه إن الانقطاعات واسعة النطاق كشفت، في جانب منها، تداعيات التشرذم المؤسسي، وتحويل الموارد العامة، ونقص الاستثمار وغياب التنسيق في عملية صنع القرار.
وأشارت إلى إنفاق ما يقرب من مليار دولار شهرياً على استيراد الوقود، وفق بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، في وقت لا تزال فيه منظومة الكهرباء تعاني نقص الوقود.
وبحسب الإحاطة، أسهمت الأزمة في اندلاع احتجاجات متفرقة في غرب ليبيا، إلى جانب حملة عصيان مدني بين 26 و29 يوليو.
كما دعت جميع الأطراف والمؤسسات الليبية إلى تحمل مسؤولياتها في دعم مصرف ليبيا المركزي ومحافظه أثناء ممارستهما مهامهما.
وتكشف أزمة الكهرباء بذلك عن أحد أوجه المفارقة الليبية: دولة تمتلك موارد نفطية ضخمة، لكنها لا تزال عاجزة عن توفير خدمة أساسية بصورة مستقرة، في ظل استمرار الانقسام وتضارب الصلاحيات والمؤسسات.
الأمن.. الحلقة الغائبة
لكن عضو الحوار المهيكل، صبري المبروك، يقدم قراءة أكثر تشككا في قدرة الإحاطة الأممية على إحداث تغيير فعلي.
ويقول المبروك لـ”سكاي نيوز عربية” إن البعثة الأممية لا تزال، من وجهة نظره، تتحرك ضمن مسارات سبق طرحها، معتبرا أن الإحاطة لم تقدم جديداً جوهرياً، وأن لجنة “4+4” لم تنتج نتائج ملموسة.
ويرى أن البعثة تراقب في الوقت نفسه التطورات المرتبطة بالمبادرة التي أعلن عنها المبعوث الأميركي مسعد بولس، إلى جانب التحركات التي قامت بها المجالس الثلاثة، المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بشأن وضع خارطة طريق تقود إلى الانتخابات.
ويعتبر المبروك أن عدم إعطاء هذه التحركات دفعة كافية يثير تساؤلات حول اتجاه المسار الأممي خلال المرحلة المقبلة.
وفي قراءته لأسباب الأزمة، يرى أن معالجة الوضع الاقتصادي والمعيشي لا يمكن أن تنجح من دون معالجة الملف الأمني، مشيراً إلى انتشار الجماعات المسلحة وتدفق السلاح وتداخل المصالح المحلية والخارجية.
ويقول إن جوهر الأزمة الليبية لا يزال مرتبطاً بالصراع على السلطة بين أطراف تمتلك أدوات سياسية وعسكرية وتحظى بدرجات متفاوتة من الدعم الخارجي.
وبالتالي، فإن أي معالجة للأزمة، بحسب المبروك، تحتاج إلى مقاربة تبدأ من الأمن باعتباره شرطا للاستقرار السياسي والاقتصادي، وليس ملفا منفصلا عن بقية الملفات.
الجنوب.. معركة التمثيل والموارد
وفي موازاة ذلك، تبرز قضية تمثيل مختلف المناطق والمكونات، خصوصا الجنوب الليبي، باعتبارها أحد الملفات التي يرى ممثلو المنطقة أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي في المسار السياسي.
وتقول عضو الحوار المهيكل، حواء زايد، إن الجنوب لا ينبغي أن يكون خارج خارطة الطريق، معتبرة أن الحديث عن توحيد الحكومة والمؤسسات الوطنية لا يكتمل في ظل شعور جزء أساسي من البلاد بالتهميش وعدم المشاركة الفعلية في صنع القرار.
وتوضح زايد لـ”سكاي نيوز عربية” أن الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية، وإنما مكون أساسي من مكونات الدولة، وله قضايا سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية وتنموية متراكمة.
وتشير إلى معاناة المنطقة لسنوات من ضعف التمثيل السياسي، وعدم عدالة توزيع الخدمات والتنمية، وتراجع البنية التحتية، إلى جانب تحديات أمنية واقتصادية وإنسانية.
وتؤكد أن العدالة في توزيع الموارد والخدمات والفرص السياسية يجب ألا تبقى مجرد توصية، وإنما تتحول إلى جزء من أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وترى زايد أن الانتخابات وحدها لن تكون كافية لإنهاء الأزمة إذا لم يشعر الليبيون في الجنوب والشرق والغرب بأنهم شركاء متساوون في الدولة، وأن مصالحهم وحقوقهم حاضرة في عملية صنع القرار.
ملفات موازية
على المستوى الأمني، حذرت تيتيه من استمرار هشاشة الوضع على طول الساحل الغربي لليبيا، في ظل تنافس جهات مسلحة ضالعة في أنشطة غير مشروعة، من بينها الاتجار بالمخدرات والبشر وتهريب الوقود.
كما أشارت إلى الاتفاق الخاص بالترتيبات الأمنية في طرابلس، معتبرة أنه يمكن أن يسهم في تخفيف التوتر وفتح المجال أمام مقاربة أكثر شمولاً للملف الأمني.
وفي بنغازي توقفت تيتيه عند اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي، اللواء فوزي المنصوري، في العاشر من أغسطس، معتبرة أن استمرار أعمال العنف يؤكد الحاجة إلى الحفاظ على المؤسسات الأمنية الوطنية.
وفي ملف حقوق الإنسان، أعربت عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية والترهيب والمعلومات المضللة التي تستهدف النساء، وتوقفت عند واقعة جلد امرأة علناً في سبها.
كما حذرت من استمرار الخطابات المناهضة للمهاجرين والمعلومات المضللة، معتبرة أنها تزيد من معاناة الفئات الأكثر ضعفا وتعرقل الاستجابة الإنسانية.
تعدد المبادرات.. أم تعدد الأزمات؟
وفي ظل تعدد المبادرات الدولية والمحلية، يبرز سؤال آخر يتعلق بمدى قدرة هذه المسارات على العمل ضمن إطار واحد بدلا من إنتاج مسارات متوازية.
ويرى رئيس حزب ليبيا الكرامة وأستاذ العلوم السياسية الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن تعدد المبادرات يفرض ضرورة تنظيم الجهود وتنسيقها حتى لا تتحول إلى عوامل إضافية لإطالة الأزمة.
ويقول الفارسي إن إنهاء الانقسام يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، إلى جانب توافر مصالح حيوية تدفع الإدارة الأميركية إلى التدخل بصورة أكثر فاعلية في تسوية الأزمة.
ويعتبر أن التفاهم بين المبعوث الأميركي مسعد بولس والبعثة الأممية يمثل خطوة متقدمة لدعم المسار السياسي، خصوصا فيما يتعلق بمخرجات «الطاولة المصغرة» ومراجعة التشريعات المنظمة للعملية الانتخابية.
ويرى أن تحركات بولس التي اتسمت في مراحلها الأولى بقدر من الاستقلالية عن البعثة الأممية أصبحت، وفق تقديره، أكثر انسجاماً معها، نتيجة تقاطع الأهداف والمصالح بشأن دفع العملية السياسية.
ويشير الفارسي إلى أن المبادرة الأميركية ركزت في مراحلها الأولى على ملفات مثل إعادة هيكلة وتوحيد المؤسسة العسكرية وإقرار ميزانية عامة موحدة، باعتبارها ركائز أساسية لتهيئة المناخ السياسي والأمني الملائم للتداول السلمي للسلطة.
ويعتقد أن الضغوط الدولية الحالية قد توفر أرضية أكثر ملاءمة لدفع الفرقاء الليبيين نحو التوافق، خصوصاً مع تراجع عدد من العراقيل التي حالت دون الوصول إلى تسوية شاملة .
