الأحد _14 _يونيو _2026AH

عندما سأل مذيع قناة العربية الملك سلمان بن عبدالعزيز عن شأنٍ سياسي خلال مناسبة اجتماعية، أجابه مبتسماً: “أنا في مناسبة سعيدة… بعيداً عن السياسة.” كانت إجابة قصيرة ولكنها تحمل درساً إدارياً واجتماعياً بالغ الأهمية: لكل مقام مقال، ولكل مناسبة غرضها، وليس من الحكمة أن نحمل كل الملفات إلى كل الأماكن.

عندما يجلس المسؤول في مناسبة ما يسير الحديث في مساره الطبيعي لبضع دقائق فقط، ثم يظهر أول ملف كما تظهر أول قطرة مطر قبل العاصفة، وبعده تأتي معاملة متعثرة ثم شكوى قديمة ثم قضية أرض ثم مشروع متوقف ثم سلسلة طويلة من الأسئلة والملاحظات عن استراتيجية الجهة، تتوالى الأسئلة من كل اتجاه وتتقاطع المداخلات ويبدأ كل متحدث عبارته المفضلة: “دقيقة بس عندي موضوع بسيط”. وبعد دقائق قليلة يجد المسؤول نفسه في مشهد يشبه إحدى حلقات برنامج الثامنة مع داوود؛ ملفات مفتوحة، وقضايا متراكمة، ومطالبات متزامنة، وشهود من كل الجهات، بينما يجلس هو في المنتصف محاولاً فهم كيف انتقل من مناسبة اجتماعية هادئة إلى جلسة استماع عامة دون سابق إنذار ودون محام.

وقد التقط غازي القصيبي هذه المفارقة مبكراً، فالمسؤول في نظر كثير من الناس لا يغادر منصبه عندما يغادر مكتبه. يترك المكتب خلفه لكن المكتب يرفض أن يتركه. يذهب إلى مناسبة اجتماعية فيلحق به جدول الأعمال وتتبعه الملفات وتجلس إلى جواره المشكلات التي ظن أنه تركها خلف باب الإدارة. ولعل أكثر ما يثير التأمل أن كثيراً من أصحاب الشكاوى لا ينتظرون حلاً فورياً، فهم يدركون أن المشكلة لن تُحل في المجلس وأن المعاملة لن تنتهي قبل صباح الغد، لكنهم يشعرون براحة غريبة عندما ينتقل جزء من عبء المشكلة إلى شخص آخر.

ومع أن هذا السلوك يعكس اهتمام الناس وحرصهم على قضاياهم، إلا أنه يكشف في الوقت نفسه عن حقيقة إدارية مهمة، عندما يبحث الناس عن الحلول في كل مكان، فربما تكون القنوات المخصصة للحلول بحاجة إلى أن تكون أكثر وضوحاً وفاعلية فالاجتماعات خُلقت لغرضها، ومكاتب الخدمة خُلقت للخدمة، والمنصات الرسمية خُلقت للطلبات، أما المجالس الاجتماعية فقد خُلقت لشيء آخر أكثر ندرة هذه الأيام، أن يلتقي الناس دون ملفات، وأن يتذكروا أنهم بشر قبل أن يكونوا أصحاب مناصب أو أصحاب مطالب. ولعل هذا هو المعنى الأعمق في إجابة الملك سلمان، فليس كل سؤال يجب أن يُطرح، وليس كل مكان صالحاً لكل حديث.

أما المسؤول، فسيظل يدخل المناسبات الاجتماعية باسمه الشخصي، ويغادرها محملاً بمشكلات الآخرين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version