الثلاثاء _12 _مايو _2026AH
تم النشر في: 

تابعت كما تابع كثيرون خبر زيادة ملكية SRMG في ثمانية من خلال شركتها التابعة «العربية للوسائل»، بالتزامن مع حديث يدور حول استقالة عبدالرحمن أبو مالح، وهي لحظة تستحق أن تُقرأ بهدوء بعيدًا عن العاطفة والانحيازات الجماهيرية خاصة وأن هناك من حاول أن يظهر أن هناك مشكلة قد تكون في إدارة المجموعة وتحديدا في جومانا الراشد.

عرفت جومانا الراشد بين عامي 2012 و2016 خلال وجودي في بريطانيا، وكانت من الشخصيات التي تمتلك انضباطًا إداريًا لافتًا، ودقيقة في المواعيد، بل وقد أقول بأنها صارمة في المتابعة بحكم عملها السابق في سفارة المملكة في لندن وهذا شأن غالبية الذين يعملون في السلك الدبلوماسي، وقد لاحظ غيري -ممن عرفوها عن قرب- إيمانها بالأرقام والتخطيط، وقد نالت خبرة بعد عودتها للمملكة مما يدفع اعتقادي بأن لديها الخبرة المتكاملة في إدارة المؤسسات الكبرى، كما أنها لا تمتلك الكاريزما فقط، بل لديها منهجية واضحة وقدرة على ضبط الموارد البشرية والمالية والتحريرية.

وهنا تكمن نقطة مهمة في فهم التحولات التي تحدث داخل المؤسسات الإعلامية الحديثة ومن ذلك المجموعة السعودية وشركاتها التابعة، فالنجاح في صناعة المحتوى لا يعني بالضرورة النجاح في إدارة مؤسسة إعلامية متضخمة، وهذا هو فرق بين “صانع المحتوى” و”قائد المؤسسة الإعلامية”.

إن الإدارة الإعلامية في مراحل النمو الكبرى تحتاج إلى أشخاص يجيدون بناء الهياكل، وإدارة العقود، وتطوير الحوكمة، وتحقيق الاستدامة المالية، والتعامل مع المستثمرين، وقياس المخاطر، وبناء فرق متعددة التخصصات. ولهذا نجد عالميًا أن كثيرًا من المؤسسين الملهمين يغادرون المشهد التنفيذي عندما تدخل المؤسسات مرحلة التوسع.

شركة مثل Netflix لم تنجح فقط بسبب الأفكار الإبداعية، بل بسبب الإدارة الصارمة للبيانات والاستثمار والتوسع، وكذلك Disney لم تصبح إمبراطورية إعلامية بسبب النجوم وحدهم، بل بسبب قدرتها على إدارة الأنظمة والحقوق والموارد والاستحواذات.

أحيانًا يكون المؤسس هو الأنسب لمرحلة البداية، لكنه ليس بالضرورة الأنسب لمرحلة التحول المؤسسي الكبير. وهذا لا ينتقص من قيمته، بل يعكس اختلاف المهارات المطلوبة بين كل مرحلة وأخرى.

ولهذا أرى أن ما يحدث في “ثمانية” اليوم يجب أن يُقرأ كمشهد مؤسساتي طبيعي في عالم الإعلام الحديث، فالمؤسسات حين تكبر، تتغير أدواتها، وتتبدل احتياجاتها، وتصبح الإدارة الاحترافية الصلبة عنصرًا لا يقل أهمية عن الإبداع نفسه.

بقي القول، إن عبدالرحمن أبو مالح نجح في تأسيس ثمانية وإدارتها، أما جومانا التي عرفتها، فكانت تؤمن منذ وقت مبكر أن النجاح الإداري الحقيقي لا يُبنى على الضجيج، بل على الانضباط، والاستدامة، والقدرة على إدارة التفاصيل الصغيرة قبل العناصر الكبيرة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version