الأحد _26 _أبريل _2026AH
تم النشر في: 

في عام 2016، حين وُضعت رؤية 2030 على الورق، كان القطاع غير الربحي السعودي لا يمثل سوى 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي. نسبة تكاد تكون صفراً في معادلة اقتصاد يبحث عن التنويع. لم يكن القطاع مُهملاً بالضرورة، لكنه كان غير محسوب لا في السياسات الكبرى، ولا في الأرقام الرسمية، ولا في الوعي التنموي العام. كان يعمل في الظل، تديره نوايا طيبة أكثر مما تضبطه أُطر مؤسسية.

اليوم، وبحسب التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2025، وصلت هذه النسبة إلى 1.4% أي سبعة أضعاف نقطة البداية خلال أقل من عقد. والأهم من الرقم نفسه أنه تجاوز المستهدف المرحلي لعام 2024 البالغ 0.56% بأكثر من الضعف. بمعنى أن القطاع لم يسر نحو هدفه فحسب، بل أسرع فيه بوتيرة لم تكن في الحسبان. غير أن الطريق إلى المستهدف النهائي البالغ 5% من الناتج المحلي بحلول 2030 لا يزال طويلاً، وما تحقق لا يمثل حتى الآن سوى ربعه.

على صعيد المنظمات، جاء النمو أكثر إثارة. فمن عدد محدود عند انطلاق الرؤية، تجاوز عدد المنظمات غير الربحية 7,213 منظمة حتى عام 2025 بنسبة نمو بلغت 341.97% توسع يعكس بيئة تشريعية أُعيد بناؤها من أساساتها. أما القوى العاملة في القطاع فقد ارتفعت نسبتها من إجمالي العاملين من 0.13% عام 2017 إلى 0.8% بنهاية 2024، متخطيةً مستهدفها المرحلي البالغ 0.62% للعام الثاني توالياً. وتوّج هذا كله مؤشر التطوع الذي قفز من 22,900 متطوع عام 2015 إلى أكثر من 1.75 مليون متطوع عام 2025، متجاوزاً هدف المليون الذي رسمته الرؤية قبل موعده بست سنوات كاملة.

لكن ما الذي صنع هذا التحول؟ الإجابة في منظومة تشريعية بُنيت طبقة فوق طبقة بقصدية واضحة على مدار أقل من عقد. في 2019، أُسِّس المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي ليُعيد تعريف أدوار القطاع ومسؤولياته من جذورها وقد كان ذلك نقطة التحول المفصلية. في 2020، أُنشئت المنصة الوطنية للعمل التطوعي وصدر نظامه ليمنح التطوع عنواناً رسمياً وإطاراً منظماً. في 2021، طُوِّرت صلاحيات المركز وأُعيد هيكلته. في 2023، دُشِّنت المنصة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية. وفي 2024، صدر نظام التبرعات الذي وضع حداً للعشوائية وكفل توجيه الإنفاق الخيري نحو الأهداف التنموية بدلاً من تركه لرياح الموسم والعاطفة. هذه الإصلاحات المتتالية لم تكن تنظيماً إدارياً روتينياً بل كانت شرطاً لا غنى عنه حتى يتنفس القطاع ويتوسع.

ولعل أبرز ما تضمنته هذه المنظومة إعادة تفعيل الوقف كأداة تمويل حضارية لا كذكرى تاريخية. فقد أولت رؤية 2030 اهتماماً خاصاً بتطوير الأنظمة الوقفية وتصميم محفزات تشجع على تأسيس الأوقاف وزيادة إيراداتها، مع إنشاء صناديق ومؤسسات وقفية متخصصة في المجالات التنموية، بهدف تحرير القطاع تدريجياً من الاعتماد الكامل على موسمية التبرعات نحو تمويل مستدام ومتجدد.

ولا يقتصر أثر القطاع على الأرقام الكلية، بل تمتد آثاره إلى قطاعات بعينها. في الإسكان، ارتفع عدد المتطوعين في هذا المجال من 98,700 متطوع عام 2021 إلى أكثر من 109,035 عام 2025، فيما وفّرت المنصات الرقمية وصولاً أكثر دقة وموثوقية إلى الأسر الأشد احتياجاً. وفي الثقافة، تأسست جمعية مهنية للموسيقى في الرياض تحت مظلة استراتيجية وزارة الثقافة للقطاع غير الربحي، في مؤشر على أن نطاق القطاع بات يتسع ليشمل مجالات إبداعية لم تكن ضمن صورته التقليدية. وفي الإعلام، أُطلقت جائزة التميز الإعلامي لتمكين الإبداع في القطاعات الثلاثة: الحكومي والخاص وغير الربحي.

ومع ذلك، لا تكتمل القراءة الأمينة لهذا المشهد دون استحضار ما يعترضه. فالفارق بين نسبة 1.4% المحققة وهدف 5% المأمول ليس فجوة حسابية فحسب بل هو تحدٍّ هيكلي يستلزم تسريعاً نوعياً في السنوات الخمس المتبقية. والقفزة المطلوبة في هذا المدى الزمني القصير أصعب بطبيعتها من تلك التي تحققت في العقد الماضي، لأن بناء الأعداد والمنظمات أيسر دائماً من بناء الجودة والأثر الحقيقي في منظومة متكاملة الأدوار.

ما تحقق في عقد واحد يستحق أن يُقرأ بوصفه دليلاً على أن التحول ممكن حين تتوافر الإرادة التشريعية مع وضوح الهدف. وما لم يتحقق بعد يطرح السؤال الأصعب: هل يملك القطاع اليوم ما يلزم للقفزة الأكبر من قطاع ينمو عددياً إلى قطاع يقود تنموياً ويُحدث الأثر الذي وعدت به رؤية 2030؟.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version