وبدأت القضية عندما نشر أحد أولياء الأمور مقطعاً مصوراً قال فيه إن إحدى الأمهات تقدمت للحصول على بطاقة ائتمانية، لكنها فوجئت برفض طلبها، قبل أن تكتشف وجود قرض تعليمي مسجل باسمها بقيمة نحو 700 ألف جنيه.
ودفع اكتشاف القرض أولياء أمور آخرين إلى مراجعة مواقفهم الائتمانية، ليقول عدد منهم إنهم عثروا على قروض مسجلة بأسمائهم من دون موافقتهم.
وبحسب مصدر أمني نقلت عنه وسائل إعلام محلية، حرر 12 شخصا محاضر في قسم شرطة التجمع الأول ضد إدارة المدرسة، وتراوحت قيمة القروض محل الاتهامات بين 200 ألف و700 ألف جنيه.
وأُخطرت النيابة العامة لمباشرة التحقيقات، فيما وجه وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف بفتح تحقيق للوقوف على حقيقة الاتهامات وملابساتها. وحتى 23 أغسطس، لم تعلن الجهات الرسمية توقيف أي شخص أو توجيه اتهامات نهائية، ما يعني أن المسؤولية الجنائية لا تزال قيد التحقيق.
لكن القضية تتجاوز الواقعة نفسها، لتفتح ملفاً أوسع بشأن تداول صور بطاقات الرقم القومي، وما قد يحدث عندما تخرج الوثيقة من نطاق الجهة التي طلبتها أو تُستخدم في غير الغرض الذي جُمعت من أجله.
البطاقة بوابة إلى بيانات أخرى
لم يعد الرقم القومي مجرد رقم مطلوب لإتمام إجراء حكومي، بل أصبح جزءاً من الهوية الشخصية والمالية للمواطن. وقد تبدأ مخاطر تسريبه بانتهاك الخصوصية، قبل أن تصل إلى انتحال الشخصية أو استخدام البيانات في معاملات مالية وائتمانية.
ويرسل كثيرون صور بطاقاتهم إلى جهات مختلفة عبر تطبيقات المراسلة، من دون السؤال عن سبب طلبها، أو كيفية استخدامها، أو مدة الاحتفاظ بها ومن يستطيع الوصول إليها.
وتؤكد خبيرة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني رحاب الرحماوي، في حديثها إلى موقع سكاي نيوز عربية، أن بيانات بطاقة الرقم القومي أصبحت من أهم الأصول الرقمية التي يسعى المحتالون إلى الوصول إليها، خصوصاً مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على جمع المعلومات وتحليلها.
وتوضح أن خطورة صورة البطاقة لا تكمن في البيانات الظاهرة عليها منفردة، بل في إمكانية دمجها مع معلومات أخرى، مثل رقم الهاتف والبريد الإلكتروني والعنوان، لتكوين صورة متكاملة عن هوية صاحبها.
وقد تُستغل هذه المعلومات في محاولات انتحال الشخصية أو الاحتيال المالي و«الهندسة الاجتماعية»، عبر التواصل مع الضحية برسائل وطلبات تبدو حقيقية ومقنعة.
الذكاء الاصطناعي يعزز الخداع
بحسب الرحماوي، منح الذكاء الاصطناعي المحتالين قدرة أكبر على إعداد رسائل وطلبات شديدة الإقناع، ما يزيد احتمال دفع الضحية إلى مشاركة معلومات إضافية، خصوصاً عندما يمتلك الطرف الآخر مسبقاً جزءاً من بياناتها.
وتشير إلى أن الأمن السيبراني لم يعد مقتصراً على حماية الهاتف والحسابات الإلكترونية، بل يبدأ من طريقة تعامل المواطن مع بياناته، ومدى تحققه من الجهة التي تطلبها والهدف من الحصول عليها.
وتشدد على عدم إرسال صورة بطاقة الرقم القومي عبر تطبيقات المراسلة أو منصات التواصل إلا عند الضرورة، وبعد التأكد من هوية الجهة المستلمة والغرض المحدد من استخدامها، مع تجنب الاحتفاظ بصور الوثائق الرسمية في أجهزة أو مساحات تخزين غير مؤمنة.
التقرير الائتماني يكشف الخطر
قد لا يظهر أثر تسريب البيانات فوراً، إذ يستطيع المحتال الاحتفاظ بها مدة طويلة أو دمجها مع معلومات حصل عليها من مصادر أخرى، قبل استخدامها لاحقاً.
لذلك، لا تقتصر أهمية مراجعة التقرير الائتماني على معرفة القروض القائمة، بل تساعد أيضاً في اكتشاف أي تسهيلات أو معاملات مالية غير معروفة في مرحلة مبكرة.
وفي حال ظهور معاملة لم يطلبها المواطن، يمكنه التحرك للتحقق من مصدرها والاعتراض عليها، بما يقلل خطر استمرار استخدامها أو تراكم التزامات مالية باسمه.
وتنصح الرحماوي بمراجعة الحسابات والمعاملات المالية دورياً، وتفعيل التحقق متعدد العوامل للحسابات المهمة، والإبلاغ فوراً عن أي استخدام غير مصرح به للبيانات.
وبين صورة بطاقة قُدمت لإجراء روتيني وقرض قد يظهر لاحقاً، تكشف الواقعة أن حماية الهوية تبدأ بسؤال بسيط: من يطلب بياناتك، ولماذا، وكيف سيحتفظ بها؟ فالوعي الرقمي لم يعد خياراً إضافياً، بل أصبح خط الدفاع الأول عن الهوية والمال.
