وبينما تتحدث تسريبات عن موافقة إيرانية على عدم إنتاج أو امتلاك أسلحة نووية، وتؤكد الإدارة الأميركية اقتراب التوقيع وفتح مضيق هرمز، يرى مراقبون أن جوهر الأزمة لم يُحسم بعد، وأن ما يجري قد يكون بداية مرحلة تفاوضية أطول وأكثر تعقيدا، لا نهايتها.
الملف النووي.. تفاصيل معلقة ومخزون يثير الشكوك
يرى الباحث في الشؤون الإيرانية مصطفى النعيمي خلال حديثه إلى برنامج “الظهيرة” على سكاي نيوز عربية أن إيران ما تزال تسوّف في مسألة الملف النووي، مشيراً إلى أن حديثها عن عدم إنتاج قنبلة نووية وعدم رفع مستوى تخصيب اليورانيوم لا يجيب عن الأسئلة التي ما زالت عالقة حتى هذه اللحظة، وفي مقدمها مصير المخزون الاستراتيجي البالغ 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة.
ويوضح أن الرؤية الأولى المقدمة إيرانيا تقوم على تخفيض تخصيب هذا المخزون إلى مستوى الاستخدام السلمي عند 3.6 بالمئة، لكنه يشير إلى غياب أي معلومات عن الجدول الزمني للوصول إلى هذا المستوى، إضافة إلى طبيعة الضمانات التي يمكن أن تقدمها طهران.
ويلفت النعيمي إلى أن صور الأقمار الصناعية التي رصدت تحركات في محيط منشأة فوردو ومنشأة ناطانز، إلى جانب جهود الاستخبارات الجوية الأميركية عبر طائرات الاستطلاع من طراز “إم كيو-9 ريبر”، تثبت وجود عملية تفخيخ لمداخل هذه المفاعلات وما تبقى من ركامها، مع وجود مخزون اليورانيوم داخل الأنفاق.
ويخلص إلى أن تفخيخ هذه البوابات يعني منع الولايات المتحدة من الوصول إلى هذه المنشآت أو الخازن للمخزون.
واشنطن تبحث ما بعد النووي
بحسب النعيمي، فإن الولايات المتحدة لا تنظر إلى الاتفاق من زاوية البرنامج النووي فقط، بل تتعامل معه باعتباره نقطة انطلاق لمعالجة ملفات أخرى تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والوكلاء الإقليميين.
ويعتقد أن واشنطن رتبت أولوياتها التفاوضية بحيث تبدأ بالملف النووي ثم تنتقل تدريجيا إلى بقية الملفات، بينما تراهن طهران على إغراق المفاوضات في التفاصيل واستثمار عامل الوقت لإبطاء تنفيذ الالتزامات أو تأجيل الانتقال إلى الملفات الأكثر حساسية بالنسبة لها.
انقسام داخلي إيراني
يشير النعيمي إلى أن التصريحات المتباينة الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين، إلى جانب التظاهرات الرافضة للاتفاق والانتقادات التي طالت حتى المرشد الإيراني، تعكس محاولة لإدارة الشارع الداخلي وإرسال رسائل متناقضة في آن واحد.
ويرى النعيمي أن هذه الأصوات في مجملها تخدم مشروع المرشد الإيراني، وأنها لن تخرج بعيدا، وإن كانت حالة الانقسام قد بدأت، لكنه يتساءل عن المدى الذي ستبلغه وإلى أي مدى سيتم تغذيتها.
ويلفت إلى أن واشنطن قد تستفيد من هذه التناقضات، إذ لا بد من أن يكون هناك عمل أميركي عليها وتغذية لها، وهو ما سينجم عنه أوراق قوة تمتلكها واشنطن في المسار التفاوضي ورفع سقف التفاوض بالنسبة للجانب الإيراني.
كما يربط مسألة فتح مضيق هرمز من وجهة النظر الإيرانية برفع الحصار والعقوبات بشكل متدرج، معتبرا أن الفجوة بين التصورين الأميركي والإيراني ما تزال واسعة، وأن التهديدات الأميركية الأخيرة بشأن التعامل مع الملف النووي تعكس استمرار خيار التصعيد إلى جانب المسار التفاوضي.
اتفاق أقرب إلى الرؤية الأميركية
من جانبه، يرى الخبير في الشؤون الأميركية عقيل عباس أن المعطيات المتوافرة تشير إلى التوصل فعليا إلى نص نهائي للاتفاق، إلا أن الطرفين يتحفظان على إعلان تفاصيله كاملة خشية ردود الفعل الداخلية.
ويعتبر أن ما تسرب من بنود الاتفاق يجعله أقرب إلى المطالب الأميركية منه إلى المطالب الإيرانية، موضحا أن النقطة الوحيدة شبه المؤكدة تتمثل في فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري.
أما في الملف النووي، فيشير عباس إلى أن ما يميز الاتفاق الجديد عن اتفاق عام 2015 هو توقف التخصيب الإيراني بدلاً من السماح به ضمن سقوف محددة كما كان الحال في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فضلا عن ربط أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأموال الإيرانية بتنفيذ طهران التزامات محددة تشمل التخلص من اليورانيوم المخصب وإخضاع المنشآت للرقابة.
الصواريخ الباليستية.. الاختبار الحقيقي
يؤكد عباس أن القضية الأكثر أهمية لا تتعلق بالبرنامج النووي وحده، بل بملف الصواريخ الباليستية الذي بدأت الإدارة الأميركية التلميح إلى إدراجه ضمن مرحلة تفاوضية لاحقة تمتد لعشرات الأيام.
ويشير إلى أن نجاح التفاوض بشأن هذا الملف، مع الأخذ في الاعتبار الهواجس الخليجية، قد يفتح الباب أمام معالجة أوسع للمشكلات الإقليمية من جذورها، أما الاكتفاء بالملف النووي فقد يؤدي إلى عودة التوتر بعد أشهر قليلة.
ويعتقد عباس أن أحد أكبر التحديات أمام الاتفاق يتمثل في الانقسام السياسي داخل إيران. فرغم موافقة المرشد الأعلى على المسار التفاوضي، فإن اعتراض تيارات محافظة بارزة على الاتفاق يكشف وجود صدع سياسي حقيقي قد يؤثر في فرص استمراره مستقبلا.
ويضيف أن الاتفاق المرتقب لا ينهي الحرب بشكل كامل، بل يمدد الهدنة ويفتح الباب أمام مرحلة تفاوض جديدة ستحدد نتائجها ما إذا كانت الإدارة الأميركية قادرة على تحقيق أهدافها المتعلقة بالنفوذ الإيراني والصواريخ الباليستية والوكلاء الإقليميين.
