وتظهر أحدث بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية “INSEE” أن هذا الاتجاه مستمر، إذ سجل النصف الأول من 2026 ولادة أقل من 314 ألف طفل، بانخفاض 1.1 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
وخلال العام الماضي، ولد في فرنسا نحو 645 ألف طفل، مقابل وفاة 651 ألف شخص، ليسجل الرصيد الطبيعي عجزا قدره 6 آلاف نسمة. كما تراجع معدل الخصوبة إلى 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.
وقالت كلوي تافان، رئيسة قسم المسوح والدراسات الديموغرافية في المعهد، لـ”سكاي نيوز عربية”، إن “سبب انخفاض عدد المواليد ليس قلة عدد النساء في سن الإنجاب، وإنما انخفاض معدل الخصوبة”.
وأضافت أن فرنسا “لا تزال أعلى من المتوسط الأوروبي”، رغم أن بلغاريا انتزعت منها صدارة دول الاتحاد الأوروبي في معدل الخصوبة منذ 2023.
ويضع هذا التراجع فرنسا أمام سؤال سياسي واقتصادي متزايد الحضور: هل تستطيع الهجرة تعويض نقص المواليد، أم أنها تؤجل آثار الشيخوخة السكانية من دون أن توقفها؟
الهجرة تمنع انكماش السكان
بلغ عدد سكان فرنسا في مطلع 2026 نحو 69.1 مليون نسمة، بزيادة تقدر بـ0.25 في المئة خلال عام. لكن هذه الزيادة جاءت بالكامل من صافي الهجرة، في ظل تحول الرصيد الطبيعي إلى السالب.
ويقدر معهد “INSEE” صافي الهجرة خلال 2025 بنحو 176 ألف نسمة، ولا يزال الرقم مؤقتا، إذ يحتسبه المعهد وفق متوسطات إحصائية إلى حين توفر بيانات نهائية عن الداخلين إلى البلاد والمغادرين منها.
ومن دون هذه الزيادة، كان عدد سكان فرنسا سيبدأ في الانخفاض منذ العام الماضي.
ولا يقتصر أثر الهجرة على عدد السكان، فالمهاجرون يشكلون جزءا مهما من القوة العاملة في قطاعات تعاني صعوبات في التوظيف، خصوصا البناء، والضيافة، والمطاعم، وخدمات الشركات، والتنظيف، والرعاية المنزلية.
وتظهر بيانات معهد الإحصاء أن العمال المهاجرين ممثلون في هذه المهن بنسب أعلى من بقية السكان، بينما تؤكد وزارة العمل الفرنسية استمرار صعوبات التوظيف، خصوصا في البناء والأشغال العامة وبعض المهن الصناعية والخدمية.
ويمنح دخول عمال أصغر سنا سوق العمل فرنسا قاعدة إضافية من دافعي الضرائب والمساهمين في صناديق التقاعد، لكن الأثر لا يتوقف على عدد الوافدين، بل يتحدد أيضا بقدرتهم على دخول سوق العمل، ومستويات أجورهم، ومدى نجاح سياسات التأهيل والاندماج.
دفعة ديموغرافية تتراجع مع الأجيال
تسهم المهاجرات في رفع عدد المواليد، لكن الدراسات الفرنسية لا تدعم اعتبار ذلك حلا دائما لأزمة الخصوبة.
وأظهرت دراسة مشتركة بين معهدي “INSEE” و”INED” أن النساء المهاجرات المولودات بين 1960 و1974 أنجبن في المتوسط 2.35 طفل خلال حياتهن، مقابل 1.86 لدى النساء من دون أصول مهاجرة مباشرة.
لكن الفارق تراجع بصورة كبيرة لدى بنات المهاجرين، إذ بلغ المتوسط لديهن 1.90 طفل، مقتربا من بقية المجتمع الفرنسي، ووصل إلى 1.83 لدى من لهن والد مهاجر واحد، مقابل 1.95 لمن ينحدرن من والدين مهاجرين.
وتبين هذه الأرقام أن ارتفاع الخصوبة لدى الجيل الأول يتراجع مع تغير ظروف المعيشة والتعليم والعمل، وأن أثر الهجرة على معدل المواليد يضعف تدريجيا بعد الاستقرار داخل المجتمع الفرنسي.
كما أن المهاجرين أنفسهم يتقدمون في العمر، ما يعني أن الحفاظ على أثرهم في حجم القوة العاملة يتطلب استمرار تدفقات الهجرة، إلى جانب نجاح الدولة في دمج الوافدين وأبنائهم اقتصاديا.
الشيخوخة مستمرة رغم الهجرة
تكشف توقعات معهد الإحصاء الفرنسي حدود الدور الذي تستطيع الهجرة القيام به.
ووفق السيناريو المركزي الصادر في يونيو 2026، سيواصل عدد سكان فرنسا الارتفاع حتى 2037، ليصل إلى نحو 69.8 مليون نسمة، مدفوعا بصافي هجرة سنوي يفترض المعهد أنه سيبلغ نحو 150 ألف شخص.
لكن الهجرة لن تعود بعد ذلك كافية لتعويض الفارق المتزايد بين الوفيات والمواليد. ويتوقع السيناريو انخفاض عدد السكان إلى 65.9 مليون نسمة في 2070، أي أقل بنحو 3.2 مليون من عددهم في 2026.
ويظل التحدي الأكبر هو تغير التركيبة العمرية، ففي 2026، يوجد نحو 40 شخصا تبلغ أعمارهم 65 عاما أو أكثر مقابل كل 100 شخص تتراوح أعمارهم بين 20 و64 عاما. ويتوقع المعهد ارتفاع النسبة إلى 49 في 2040، ثم إلى 62 في 2070.
يعني ذلك أن الهجرة قد تؤخر انخفاض عدد السكان وتدعم سوق العمل، لكنها لا توقف شيخوخة المجتمع الفرنسي.
ما البدائل؟
يطالب معارضو زيادة الهجرة بإعادة بناء السياسة الأسرية الفرنسية من خلال دعم السكن، وتوسيع خدمات رعاية الأطفال، وتحسين الإجازات، وتخفيف الأعباء المالية التي تدفع الشباب إلى تأجيل الإنجاب.
ومنذ يوليو 2026، بدأ تطبيق إجازة ولادة إضافية تمنح كل واحد من الوالدين فترة تتراوح بين شهر وشهرين، تضاف إلى إجازات الأمومة والأبوة القائمة. لكن الحكم على أثرها في معدل المواليد يحتاج إلى سنوات.
وطرح رئيس حزب “الاسترداد” والمرشح الرئاسي السابق إريك زيمور الأتمتة والروبوتات بديلا عن استقدام العمالة المهاجرة. وقد تساعد التكنولوجيا في تعويض بعض الوظائف، لكنها لا تعالج نقص المواليد أو ارتفاع أعداد المسنين، كما يصعب أن تحل بالكامل محل العاملين في قطاعات الرعاية والصحة والخدمات.
ولا تملك فرنسا، مثل بقية الدول الأوروبية، حلا واحدا لمعادلتها الديموغرافية. فهي تحتاج إلى سياسة أسرية تخفف تكلفة الإنجاب، وهجرة منظمة مرتبطة باحتياجات سوق العمل، واندماج يرفع نسبة العاملين بين المهاجرين، إلى جانب إصلاحات في التقاعد والإنتاجية.
تؤخر الهجرة انكماش عدد سكان فرنسا وتحد من نقص اليد العاملة، لكنها لا توقف الشيخوخة ولا تعيد الخصوبة إلى مستوى إحلال الأجيال.
