الثلاثاء _21 _يوليو _2026AH

ورغم إعلانه أن أولوية حكومته الجديدة هي معالجة “عقد من الفشل”، فإن الطريق أمام برنام محفوف بتحديات داخلية متشابكة، تتقاطع مع ملفات خارجية شائكة لا تحتمل التأجيل، من العلاقة مع إدارة دونالد ترامب، إلى حلف الناتو، وصولا إلى الأزمات في الشرق الأوسط.

ورأى عضو حزب العمال البريطاني مصطفى رجب في حديثه لبرنامج “رادار” على “سكاي نيوز عربية” أو أبرز أولويات برنام ستكون “ترتيب بيته” داخل حزب العمال، عبر تشكيل الوزارة من صفوف أعضاء الحزب، قبل الانتقال إلى معالجة الملفات الداخلية في المملكة المتحدة، الاجتماعية والصحية والتعليمية، ثم التفرغ لاحقا للملفات الدولية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، والشرق الأوسط، وحلف الناتو، والعلاقة مع واشنطن والدول الأوروبية، إضافة إلى تبعات الخروج من الاتحاد الأوروبي التي لا تزال تُثقل كاهل الاقتصاد البريطاني.

وعبّر رجب عن تحفظه إزاء تصريح لبرنام بشأن التعامل مع ظاهرة المشردين في الشوارع، معتبرا أن هذه الفئة متعددة الأنماط ولا ينبغي التعامل معها ككتلة واحدة، مشددا على أن هناك أولويات “أكبر وأكثر أهمية” تستحق التركيز، وفي مقدمتها ملف الصحة، حيث لا تزال قوائم الانتظار في المستشفيات وأقسام الطوارئ طويلة رغم ادعاءات ستارمر بتحقيق إنجازات فيها، إضافة إلى ملف التعليم الذي تحوّل بحسب رجب إلى “مصدر دخل اقتصادي” أكثر منه خدمة لأبناء البلد، وملف الأمن الذي يعاني تراجعا في أعداد عناصر الشرطة وارتفاع معدلات الجريمة في الشارع البريطاني.

القضية الفلسطينية.. تصريحات مشجعة تنتظر الترجمة

على صعيد الملفات الخارجية، انتقد رجب المواقف السابقة لستارمر التي كانت تكرر حق إسرائيل في “الدفاع عن نفسها” رغم ما وصفه بالدمار الذي يتعرض له الفلسطينيون، معتبرا أن العديد من القرارات البريطانية المتعلقة بالقضية الفلسطينية كانت “غير عادلة”.

وأشار إلى أن برنام أطلق تصريحا مشجعا بشأن حق الفلسطينيين في العيش ببلدهم، لكنه شدد على ضرورة أن يُترجَم هذا الموقف على أرض الواقع.

استمرارية السياسة الخارجية.. لا تغيير جذري متوقع

اتفق رجب والباحث السياسي محمد قواص على أن السياسة الخارجية البريطانية لن تشهد تحولا جوهريا بتغيّر رئيس الحكومة، كونها سياسات ثابتة لا ترتبط بحزب أو زعيم بعينه.

ووفق قواص فإن بريطانيا، بوصفها ركيزة أساسية في الناتو والفضاء الأوروبي، ستواصل دعم أوكرانيا وتسليحها في مواجهة روسيا، موضحا أن هذا الثبات سينسحب على العلاقة مع الولايات المتحدة والشق الأوروبي من الأطلسي، فيما قد تشهد ملفات الشرق الأوسط، وتحديدا العلاقة مع إسرائيل والقضية الفلسطينية، بعض التغيّر في الأولويات.

وبحسب رجب فإن وزارة الدفاع ستكون بمنأى عن أي تقشف مالي طبّقه ستارمر على باقي الوزارات، بوصفها مسؤولة مباشرة عن أمن البلاد، مرجحا أن يستجيب برنام لبعض المطالب التي كان ستارمر يرفضها سابقا، خصوصا في ظل توفر موارد مالية كانت تُضخ للإنفاق على الحروب في أوكرانيا ومناطق أخرى من العالم.

إرث الخلاف مع ترامب.. من الانتقاد الشخصي إلى الواقعية السياسية

تطرق قواص إلى الموقف العدائي الذي أبدته إدارة ترامب تجاه حكومة حزب العمال، مشيرا إلى تصريح جارح وجهه نائب الرئيس الأميركي ضد الحكومة العمالية قبل توليه منصبه، خلال مؤتمر لحزب المحافظين، وهو ما يعكس أحقادا قد تمتد لتشمل برنام نفسه، الذي كان بدوره شديد الانتقاد لترامب في تاريخه السياسي القديم.

غير أن قواص يرى أن الواقعية السياسية ستفرض نفسها الآن بعد تولي برنام رئاسة الحكومة، في وقت استخدمت فيه الحكومة البريطانية “القوة الناعمة” لتدوير الزوايا، وعلى رأسها الخطاب الذي ألقاه الملك تشارلز في هذا السياق.

وشدد قواص على أن العلاقة الاستثنائية التاريخية بين لندن وواشنطن منذ الحرب العالمية الثانية “انتهت” بشكلها القديم، مشيرا إلى أن بريطانيا لن تنجرّ إلى حرب مع إيران غير محسوبة، وأن موقفها سيبقى متماهيا مع موقف دول الناتو والاتحاد الأوروبي مجتمعة، فيما يرى أن بريطانيا وأوروبا باتتا مطالبتين ببناء قوة ذاتية أكثر استقلالية عن واشنطن، مع الحرص على بقاء الولايات المتحدة راعية لهذه القوة.

كاريزما مانشستر.. رهان على الشخصية أم اختبار للشعبوية؟

اتفق المتحدثان على أن برنام يمتلك حضورا شعبيا وكاريزما افتقدتها الساحة البريطانية منذ عهد توني بلير، مستمدة من تجربته الميدانية في إدارة مدينة مانشستر عبر ثلاث ولايات.

وعبّر رجب عن أمله في أن ينقل برنام هذه الخبرة إلى إدارة شؤون المملكة المتحدة، لافتا إلى أن الوعد الوحيد الذي أعلنه قبل تشكيل وزارته يتعلق بتكليف وزيرة الداخلية بحقيبة الخزانة، وهو ما وصفه بـ”المفاجأة”.

وفي المقابل، أبدى قواص قلقه من الخطاب الشعبوي الذي قد يصطدم بالوقائع القاسية، محذرا من أن مانشستر “منطقة كبيرة لكنها ليست بريطانيا”، وأن الوعود بحلّ مشكلات البلاد تصطدم بسؤال جوهري عن مصادر التمويل اللازمة لتحقيقها.

واعتبر قواص أن اجتماعات الاتحاد الأوروبي قد تشكّل فرصة لتقديم برنام إلى الشركاء الأوروبيين، لكن أول تماس فعلي مع إدارة ترامب سيكون المحك الحقيقي لمعرفة توجهات حكومته في الأسابيع والأشهر المقبلة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version