الأربعاء _15 _يوليو _2026AH

فهل يقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب فعلاً على تنفيذ تهديداته، أم أن ما يجري ليس سوى اختبار حسابات وضغوط تمهّد لعودة طهران إلى طاولة التفاوض؟

حول هذا السؤال المحوري، قدّم كل من الخبير في الشؤون الأميركية عقيل عباس، ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية مصدق بور، قراءتين متكاملتين خلال حديثهما لبرنامج “الظهيرة” على سكاي نيوز عربية.

اختبار القوة قبل التصعيد الشامل

استبعد عباس أن يلجأ ترامب سريعاً إلى تنفيذ تهديده، موضحاً أن ما تحاوله واشنطن حالياً هو “تجريب حظها” في قدرتها على منع إيران من إعاقة السفن، عبر عملية أشبه بـ”الحرية البحرية” التي بدأتها قبل شهرين ثم أوقفتها تحت ضغوط إقليمية، قبل أن تعود إليها بشكل أكثر تنظيماً ومنهجية.

واستند عباس إلى مؤشرات ميدانية أولية، إذ عبرت نحو 17 سفينة المسارَيْنِ العمانيين يوم إعادة فرض الحصار البحري، وهو رقم أقل من معدل الـ37 سفينة الذي كان سائداً قبل إغلاق المضيق، لكنه أعلى من مستوى الـ6 إلى 7 سفن الذي تحقق في المحاولة الأولى.

واعتبر أن نجاح الاستراتيجية الأميركية الجديدة يقاس بعودة حركة الملاحة إلى معدل 30 إلى 40 سفينة يومياً، مشيراً إلى أن الضربات الأميركية هذه المرة تتركز على دفاعات المضيق وراداراته البحرية دون الحاجة لضرب البنى التحتية الإيرانية المخالفِ أصلاً للقانون الدولي.

الاعتراف الإيراني بإغلاق المضيق.. خطأ استراتيجي بعواقب دولية

اعتبر عباس أن إعلان إيران الصريح إغلاق المضيق هذه المرة، خلافاً لسلوكها في حرب الـ38 يوماً حين اكتفت بإبلاغ شركات الشحن بعدم ضمان سلامة المرور من دون الاعتراف الرسمي بالإغلاق، يمثّل “خطوة دبلوماسية حمقاء” ستكلف طهران كثيراً، لأنها تُدخل الملف ضمن الفصل السابع وتمنح مجلس الأمن الدولي غطاء لإصدار قرار بفتح المضيق بالقوة المسلحة، ربما عبر قوة دولية أو حلف الناتو.

ورأى أن الخطوة التالية المحتملة قد تكون احتلال بعض الجزر في المضيق، بما يزيل المخاطرة العسكرية الأميركية وينزع ورقة الضغط من يد إيران بالكامل.

لماذا لا يستعجل ترامب ضرب البنى التحتية؟

شدد عباس على أن ترامب لا يزال “مستثمراً” في إعادة إيران إلى طاولة التفاوض، وأن الهدف من التصعيد التدريجي هو إثبات عجز طهران عن السيطرة عسكرياً على المضيق، بعدما تعلمت واشنطن دروسها من بداية الحرب حين تأخرت في الانتباه لأهمية هرمز.

وأضاف أن استهداف موقع نووي جديد أكثر تحصيناً بعد منشأة ناطنز يخدم هدفاً مزدوجاً: إضعاف البرنامج النووي الإيراني وتبرير الحرب داخلياً في الولايات المتحدة، خصوصاً أن الحرب بُررت أصلاً بالملف النووي لا بمضيق هرمز.

وكشف عباس أن الحسابات الإيرانية أُخطئت حين توقعت أن ترامب “متلهف” للإبقاء على مذكرة التفاهم بأي ثمن، فيما فاجأته استعداده لاستخدام كامل القوة الأميركية دون أن يردعه اقتراب الانتخابات النصفية.

تحذير إيراني: التهديد يقترب من خطوط حمراء

من جانبه، اتفق مصدق بور مع كثير من طروحات عباس، لكنه لفت إلى أن الطرفين لم يتجاوزا بعد الخطوط الحمراء رغم التصعيد وتبادل النيران. واعتبر أن تهديد ترامب باستهداف البنى التحتية والجسور والمرافق الحيوية “نقطة مهمة وحيوية جداً” قد تشعل الحرب الحقيقية، وتدفع إيران لتنفيذ تهديدها المقابل باستهداف أهداف مماثلة والرد بالمثل.

اقتصاد موزّع.. وورقة اقتصادية لا عسكرية

حذّر مصدق بور من أن استهداف البنى التحتية سيُحدث “شرخاً كبيراً” في حركة المواصلات الإيرانية، مبيناً أن الاقتصاد الإيراني موزّع جغرافياً ولا يعتمد على محافظة بعينها، وأن الصناعات الاستراتيجية والتحويلية منتشرة في مناطق مختلفة يكمل بعضها بعضاً، ما يجعل قطع الروابط بينها ضربة غير محسوبة العواقب.

ودعا إلى إعادة نظر إيرانية في استراتيجية التعامل مع المضيق، معتبراً أن أهميته “جيواقتصادية أكثر منها جيوسياسية أو جيوعسكرية”، وأن محاولة الحفاظ عليه عسكرياً قد تُفقد إيران هذه الورقة، فيما ينبغي أن تبقى أداة ضغط اقتصادي بحت. كما رأى أن موافقة إيران على ما وصفه بـ”المسار الجنوبي” لم تكن في مصلحتها.

تحصينات نووية وتضليل متبادل

وفي ما يخص المنشأة النووية المستهدفة حديثاً، أشار مصدق بور إلى أن إيران قد تتعمد تسريب معلومات مضللة حول مخابئ وتحصينات معينة لتضليل الجانب الإسرائيلي، مؤكداً أن المنشأة المستهدفة أقل تحصيناً من غيرها، بينما تحتفظ طهران بتحصينات أخرى أكثر أهمية يصعب على واشنطن استهدافها سريعاً، ما يخدم هدفاً إيرانياً بإطالة أمد الحرب والاقتراب من الانتخابات النصفية الأميركية، ضمن تكتيك حرب استنزاف يقوم على تضليل متبادل بين الطرفين.

وحدة الموقف الداخلي وضرورة تغيير الاستراتيجية

نفى مصدق بور وجود خلاف بين الحرس الثوري والتيار المعتدل، مؤكداً أن اتصالات مكثفة جرت بين الجانبين، وأن الرئيس الإيراني شدد على وحدة الموقف السياسي والعسكري. غير أنه دعا إيران إلى الخروج من “حالة الدفاع” والرد بالمثل، محذراً من أن استمرار هذا النهج يؤدي إلى تآكل تدريجي للقدرة الإيرانية ويترك زمام المبادرة بيد واشنطن.

خلص مصدق بور إلى أن الهدف الاستراتيجي الأميركي الوحيد حالياً هو كسر تأثير إيران على مضيق هرمز، مستبعداً اشتعال حرب حقيقية تستهدف فيها واشنطن البنى التحتية الإيرانية، لما قد يجرّه ذلك من “كارثة كبيرة” على الطرفين والمنطقة بأسرها، بل والعالم. ودعا طهران إلى التعامل بحكمة عبر التركيز على البعد الاقتصادي للمضيق، والحذر الشديد في التعامل مع مواقف دول المنطقة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version