وأكد ترامب خلال هذا اللقاء على أهمية الوجود الأميركي في غرينلاند لمشروع “القبة الذهبية”، في وقت تتضارب فيه الروايات حول طبيعة هذا الاتفاق وحدوده السيادية، خاصة في ظل عدم مناقشة الاجتماع لنقل السيادة الكاملة من الجزيرة إلى الولايات المتحدة.
وبينما تطفو تسريبات إعلامية تؤكد أن الناتو يتفق مع واشنطن على ضرورة تحجيم النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، استضافت “سكاي نيوز عربية” الأستاذ الزائر في الناتو والأكاديمية الملكية العسكرية ببروكسل الدكتور سيد غنيم، الذي قدم قراءة تحليلية لطبيعة التفاهمات والخلافات بين الطرفين.
وقال الدكتور سيد غنيم، إن ما جرى لا يمكن اعتباره طمأنة أوروبية كاملة من جانب الرئيس الأميركي، موضحا أن مارك روته بحكم خبرته السياسية “يتعامل بواقعية شديدة مع شخص مثل ترامب”، وأن أوروبا ما زالت على عهدها في إدارة العلاقة مع واشنطن عبر اللقاءات والتفاهمات المرحلية.
وأشار غنيم إلى أن النقطة الجوهرية التي جرى التوافق حولها تتمثل في التهديد الروسي الصيني، قائلا: “اتفقنا مع الولايات المتحدة على التهديد الروسي الصيني”، لكنه لفت إلى أن القبة الذهبية لا تحظى بإجماع أوروبي، موضحا: “هم غير مقتنعين بالقبة الذهبية”، ومضيفا أن الأوروبيين يرون أن هذا المشروع “يحمّل الولايات المتحدة المسؤولية الأساسية”، بينما يحتفظون تقنيا وسياسيا عليه.
وفي ما يتعلق بوضع غرينلاند، شدد غنيم على أن المسألة السيادية تمثل خطا أحمر، قائلا إن الأوروبيين متفقون على أن “غرينلاند تبقى غرينلاند، وتبقى تحت سيادة الدنمارك”، مذكرا بتصريحات رئيس وزراء غرينلاند الذي أكد أن “سيادة وحدة الأراضي بشكل خط أحمر”.
وأضاف أن الموقف الأوروبي العملي يقوم على قاعدة “قول ما تريد ونحن سنفعل ما نريد”، في إشارة إلى التباين بين الخطاب السياسي والواقع العملي في إدارة هذا الملف.
وعن الأهمية العسكرية لغرينلاند، أوضح غنيم أن الموقع الجغرافي للجزيرة يمنحها دورا محوريا في منظومة الدفاع والإنذار المبكر، قائلا إن كندا وألاسكا وغرينلاند تقع جميعها في نطاق الشمال البعيد، حيث “تُعد منطقة تحليق الصواريخ”، ما يمنح الجزيرة أهمية خاصة في “الدفاع ضد الصواريخ والإنذار المبكر”.
وشرح أن “القبة الذهبية” لا تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها منظومة “القبة الحديدية”، موضحا أن القبة الذهبية تعتمد بشكل كبير على منظومات موزعة في الأساطيل البحرية مثل منظومة “إيجيس”، بينما تلعب غرينلاند دور “الإنذار المبكر” وليس إطلاق الصواريخ أو التصدي المباشر من داخل الجزيرة.
وأشار إلى وجود قاعدة للإنذار المبكر في غرينلاند، موضحا أنها تعرف محليا باسم “بندوفيت”، وتختص بالتعامل مع الجو الفضائي والأنظمة الفضائية العالية، مؤكدا أن الدور الأساسي للجزيرة يتمثل في “الإنذار المبكر” وليس في شن عمليات دفاعية مباشرة.
وفي سياق التوترات الاقتصادية والسياسية، كشف غنيم عن خطوة دنماركية لافتة، قائلا إن الدنمارك بدأت بالفعل في بيع جزء من سندات الخزانة الأميركية من خلال صندوق المتقاعدين، مع توقعات بأن تخلق هذه الخطوة “مشكلة بين الدنمارك والولايات المتحدة”، لما لها من تأثيرات سياسية واقتصادية.
وعن التسريبات التي تحدثت عن إمكانية إنشاء قواعد أميركية على أجزاء صغيرة من أراضي غرينلاند، قال غنيم إن المسألة لا تتعلق فقط بالجغرافيا العسكرية، بل ترتبط “بتوازنات أوسع من هذه المنطقة نفسها”، محذرا من أن أي تصعيد قد يفتح الباب أمام توترات داخل الناتو، الذي “بروتوكوله مبني على كيفية إدارة الصراعات مع الخصوم وليس بين الأعضاء”.
وأكد غنيم أن الناتو “مركب بشكل يصعب تفكيكه”، وأنه من الصعب جدا خروج أو إدخال أعضاء بسهولة، مشددا على أن قادة الحلف وأوروبا يعملون على “عدم إعطاء فرصة لكسر هذا الجليد”، في إشارة إلى محاولات الحفاظ على تماسك التحالف في ظل الضغوط الروسية والصينية.
وأشار إلى أن السيناريو الأرجح يتمثل في فتح المجال أمام تعاون أوسع مع غرينلاند “عسكريا وسياسيا واقتصاديا دون امتلاكها”، قائلا: “أعتقد أن هذا سينجح فيه، اتفاق بينه وبين غرينلاند وبينه وبين الدنمارك، وسيكون داخل في ذلك الناتو والاتحاد الأوروبي”، مؤكدا أن هذا المسار يعكس توافقا أميركيا أوروبيا يطفو على السطح، رغم استمرار الخلافات حول التفاصيل.
