وتقوم في السودان حكومتان متوازيتان؛ إحداهما تابعة للجيش والكتائب الإسلامية والمليشيات المتحالفة معه، وتتخذ من بورتسودان شرقي البلاد مقراً لها، والأخرى تابعة لتحالف “تأسيس”، الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو وحركات مسلحة دارفورية، وتتخذ من نيالا غربي البلاد مقراً لها.
وقالت “حكومة السلام”، في بيان أصدره وزير الإعلام والناطق الرسمي باسمها خالد أحمد دناع، إن الجيش والقوات المتحالفة معه دمرا جسر “بكوري”، الذي يربط منطقة بكوري بمنطقة أنورا في محلية قيسان، مشيرة إلى أن الجسر يمثل شرياناً رئيسياً لحركة آلاف السكان وللأنشطة التجارية والإنسانية في المنطقة.
ويأتي تدمير الجسر، وفقاً لمصادر عسكرية، في إطار محاولات قطع محاور الحركة ومنع وصول قوات التحالف، التي تضم قوات الدعم السريع والجيش الشعبي لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، إلى الدمازين، بعد تحقيقها تقدماً ميدانياً واسعاً على حساب الجيش وحلفائه في جنوب وشرق إقليم النيل الأزرق.
وخلال العمليات الأخيرة، سيطرت قوات التحالف على مدينتي قيسان والكرمك الاستراتيجيتين الواقعتين على الحدود السودانية الإثيوبية، قبل أن تتقدم باتجاه الدمازين وتفرض سيطرتها على منطقتي أمورو وخور الذهب، الواقعتين على أحد محاور التحرك نحو عاصمة الإقليم.
وتُعد الدمازين مركز الثقل السياسي والعسكري والاقتصادي في إقليم النيل الأزرق، إذ تضم قيادة الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش السوداني، كما تقع بالقرب من خزان الروصيرص، أحد أبرز المرافق الاستراتيجية لإنتاج الكهرباء وإدارة الموارد المائية في السودان.
اتهامات بفرض الحصار
واعتبرت حكومة “السلام” أن تدمير جسر بكوري لا يقتصر تأثيره على تعطيل منشأة حيوية، بل ينعكس بصورة مباشرة على حياة المدنيين وقدرتهم على التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية والإمدادات الطبية والغذائية.
وأضاف البيان أن العملية تمثل “محاولة لفرض الحصار والعزلة على المجتمعات المحلية”، في ظل اتساع نطاق المواجهات العسكرية وتزايد المخاوف من انعكاسها على السكان وحركة التجارة والإمدادات في المناطق الحدودية.
وبحسب البيان، يخدم الجسر آلاف المواطنين في تنقلاتهم اليومية، كما يربط بين مناطق سكنية وتجارية داخل محلية قيسان، مما يجعل خروجه من الخدمة عاملاً إضافياً في تعقيد الوضع الإنساني بالمنطقة.
استهداف متكرر للجسور
واتهمت حكومة “السلام” الجيش والقوات المتحالفة معه باتباع ما وصفته بـ”سلوك ممنهج” لتدمير المنشآت الحيوية والأعيان المدنية في إقليم النيل الأزرق، مشيرة إلى تدمير الجسر الرابط بين مدينتي الكرمك السودانية والكرمك الإثيوبية قبل أقل من شهر.
وقالت إن تدمير ذلك الجسر ألحق أضراراً بالغة بحركة التبادل التجاري والتواصل الحدودي، وأثر في وصول السلع والإمدادات إلى المجتمعات الواقعة على جانبي الحدود.
ويرتبط إقليم النيل الأزرق بشبكة من الطرق والمعابر الحدودية مع إثيوبيا، تشكل مسارات رئيسية لحركة السكان والتجارة والإمدادات. ويهدد تدمير الجسور بعزل مناطق واسعة وتعطيل حركة المدنيين، فضلاً عن مضاعفة الأعباء الإنسانية الناجمة عن القتال.
ويشير تزامن استهداف جسر بكوري مع تقدم قوات “تأسيس” نحو الدمازين إلى دخول المعارك في النيل الأزرق مرحلة تتركز فيها المواجهة على خطوط الإمداد ومحاور الحركة المؤدية إلى عاصمة الإقليم.
إدانة وتحذير
ودانت حكومة “السلام” بأشد العبارات تدمير جسر بكوري، ووصفت العملية بأنها “اعتداء إجرامي مباشر” على منشأة مدنية حيوية.
وأكدت أن الاستهداف المتكرر للجسور والأسواق والمنشآت المدنية يشكل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، معتبرة أن استخدام البنية التحتية وسيلةً لفرض العزلة والحصار يحولها إلى أداة للعقاب الجماعي ضد السكان.
وشدد البيان على أن حماية المدنيين والمرافق التي يعتمدون عليها “ليست خياراً يخضع للمناورات العسكرية، بل التزام قانوني وأخلاقي صارم”، متعهداً بملاحقة المسؤولين عن استهداف المنشآت المدنية ومحاسبتهم.
وتشير التطورات المتسارعة في النيل الأزرق إلى انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة، مع اقتراب قوات تحالف “تأسيس” من الدمازين، مركز الثقل السياسي والعسكري والاقتصادي في الإقليم.
ويُنذر تدمير الجسور وقطع محاور الحركة بتحويل البنية التحتية المدنية إلى خط دفاع أخير أمام تقدم قوات التحالف، بما يهدد بعزل السكان وخنق الإمدادات وتوسيع نطاق الكارثة الإنسانية، خصوصاً إذا امتدت المواجهات إلى محيط خزان الروصيرص والمنشآت الاستراتيجية القريبة منه.

