وأكدت الخارجية العراقية ضرورة معالجة الخلافات عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية، لكن الحادثة فتحت سجالا خلال “الظهيرة” على “سكاي نيوز عربية”، بين من رأى في المنشور استفزازا مقصودا يعكس النفوذ الإيراني في العراق، ومن اعتبره سوء تفاهم إعلاميا جرى تضخيمه.
استدعاء أم دعوة؟
شكك رئيس نقابة مديري مراكز الأبحاث والدراسات الإيرانية عماد أبشناس في دقة وصف اللقاء بأنه “استدعاء”، قائلا إن الخارجية العراقية وجهت دعوة إلى السفير الإيراني لبحث الموضوع.
وأوضح أن الفارق بين المصطلحين جوهري من الناحيتين الدبلوماسية والبروتوكولية، إذ يحمل الاستدعاء معنى الاعتراض الرسمي، بينما تهدف الدعوة إلى طلب التوضيح.
ورأى أبشناس أن القضية “ضُخمت أكثر من اللازم”، وأن أطرافا حاولت “اللعب على الوتر” الإعلامي وتقديم المنشور على غير حقيقته، معتبرا أن المقصود منه كان الإشارة إلى الترابط الحضاري بين شعوب المنطقة، وليس استفزاز العراق أو دول الجوار.
رسالة إيرانية إلى واشنطن
من ناحيته، قدّم الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي قراءة مغايرة، إذ ربط الحادثة بزيارات متكررة لقيادات إيرانية، بينها قاآني وقاليباف وقمي، إلى العراق.
واعتبر العزاوي أن هذه التحركات تعكس، وفق تقديره، رسوخ النفوذ الإيراني في البلاد في ظل تغاض أميركي، وأن الرسالة الموجهة إلى واشنطن تتمثل في التأكيد أن طهران صاحبة القرار الفعلي في العراق.
ووصف العزاوي المنشور بأنه يفتقر إلى معايير التاريخ والجغرافيا، مؤكدا أن الحضارة العراقية أقدم وأعمق من الحضارات الفارسية التي يرى أنها تشكل أساس التوسع الإيراني في المنطقة.
وربط الواقعة بمحاولات طهران إحداث اضطراب إقليمي، بعدما “خرجت سوريا من يدها وفشلت في لبنان”، معتبرا أن العراق بقي إحدى الأوراق التي تناور بها إيران.
وأشار إلى تنفيذ فصائل مدعومة من إيران نحو 66 عملية ضد القوات الأميركية من داخل العراق خلال الحرب، معتبرا أن تلك العمليات دفعت البلاد إلى الانخراط في صراع ليس صراعها.
كما ربط العزاوي الانقسامات داخل “الإطار التنسيقي” بشأن ترشيح رئيس الوزراء بتصدعات داخلية يرى أنها تتصل بالنفوذ الإيراني.
ترابط حضاري أم هيمنة؟
دافع أبشناس عن مقاربة “الترابط الحضاري”، قائلا إن المنطقة شهدت تداخلا تاريخيا امتد من إيران إلى العراق وسوريا ومصر وتركيا.
ورأى أن العلاقة بين بغداد وطهران ليست طائفية أو قومية، بل استراتيجية وأمنية، قائلا إنه “لا أمن لإيران دون أمن العراق”.
كما رفض الخلط في تحديد الهويات القومية داخل إيران، موضحا أن المرجع علي السيستاني ليس فارسيا بل من سيستان، وأن بين القيادات الإيرانية الحالية شخصيات من أصول عربية وأذرية.
وأشار إلى أن السفير الإيراني في بغداد من أصل عربي ويتحدث العربية أفضل من الفارسية، وفق قوله.
وتطرق أبشناس إلى علي الزيدي، أحد مرشحي “الإطار التنسيقي” لرئاسة الحكومة، قائلا إنه كان مدرجا على لائحة العقوبات الأميركية بتهمة التعامل المالي مع إيران، لكن ملفه كان موضع تفاهم بين طهران وواشنطن.
رفض عربي حاد
من جهتها، رفضت الرئيسة السابقة لجمعية الصحفيين البحرينية عهدية السيد وصف ما يجري بأنه “ترابط حضاري”، مؤكدة ضرورة التمييز بين الحضارات والأنظمة السياسية.
واستعادت مشاهد من زيارتها لبغداد عام 2015، عندما شاهدت صور المرشد الإيراني في شوارع العاصمة، ووصفت المنشور بأنه “غير أخلاقي” ويعكس أدنى مستويات التعامل بين الدول.
واتهمت السيد طهران بزرع الميليشيات في العراق، قائلة إن “هذه الميليشيات ستنتهي جميعا”، كما رفضت محاولات الإشارة إلى أصول فارسية مزعومة لاسمي بغداد والعراق، مؤكدة أن حضارة العراق هي الباقية.
تحذير من “الحقن المذهبي”
أما الباحث السياسي مكرم رباح فقد وصف الواقعة بأنها تعكس “عقلية غير أخلاقية” تستخدم الحقن المذهبي لتأجيج الشارع العراقي ضد الحكومة.
وقال إن مقاتلي الحرس الثوري الإيراني في العراق لا يملكون ما يسمح لهم بمقارعة الدولة العراقية، مشيرا إلى وجود تشيع عربي ومرجعيات دينية، بينها السيستاني، الذي يتجنب، وفق رباح، إدخال الشيعة في حرب مع السنة.
ورأى رباح أن منشور السفير الإيراني وتصريحات سفير طهران في بيروت استُخدما لتأجيج الشارع، كما انتقد السردية الإيرانية والفارسية المتعلقة بالعرب، داعيا إلى رفض “التجاوزات الدبلوماسية” وعدم التعامل معها بوصفها أمرا طبيعيا.

