وبينما بقيت معظم الكتل داخل المجلس وصوتت لمصلحة القانون، غادرت كتلتا التيار الوطني الحر وحزب الله القاعة ورفضتا الموافقة عليه، لينتهي المجلس، وفق قراءة الكاتبة الصحفية سابين عويس خلال حديثها إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية ، إلى توافق سياسي يمثل عمليا تسوية سبقت الجلسة.
تسوية سياسية تسبق التصويت
قالت عويس إن اليومين اللذين سبقا إقرار القانون حملا “الكثير من التشنج والصخب”، وشهدا أخذا وردا وتجاذبا كبيرين بين من يرى أن القانون يجب أن يصدر ومن يعترض عليه.
وأوضحت أن القوى المعترضة كانت واضحة، بعدما غادرت كتلتا التيار الوطني الحر وحزب الله قاعة المجلس ورفضتا التصويت، بينما بقيت الكتل الأخرى وصوتت مع القانون، لتشكل الأكثرية.
وترى عويس أن المجلس انتهى عمليا إلى “توافق سياسي”، وصفته بأنه “تسوية سياسية”، معتبرة أن ذلك ينسجم مع نمط متكرر في لبنان، حيث تُحسم القوانين والملفات العالقة بتسويات تحصل قبل جلسات مجلس الوزراء أو مجلس النواب، ثم يدخل الجميع إلى الجلسة لإقرار ما جرى التوافق عليه.
من جهته، رأى الكاتب والباحث السياسي علي سبيتي أن إخراج الملفات العالقة من الأدراج خطوة جيدة، خصوصا أن هناك من دفع كلفة كبيرة في السجون، وأن متابعين يرون وجود أبرياء كثيرين بين الموقوفين، معتبرا أن الوصول إلى خواتيم جيدة، رغم بعض الثغرات في القانون، أمر لم يعتد عليه لبنان إلا بعد فترات طويلة وتسويات متعددة.
بحسب سبيتي، فإن الخلاف حول القانون يعكس انقساما قديما بشأن قضايا متعددة، بينها موضوع الإسلاميين، والمتورطين في العبوات الناسفة والتفجيرات في الضاحية الجنوبية، والمتعاملين مع إسرائيل، والعسكريين الذين قتلوا، إضافة إلى مواقف عائلات العسكريين.
ويعتبر سبيتي أن الملف كان سياسيا، ثم تحول “بشكل أو بآخر إلى إلى قضية ذات أبعاد طائفية” للسياسة، فأصبحت كل مجموعة من المسجونين مرتبطة بطائفة، وتحركت كل طائفة لخدمة هؤلاء المسجونين وإخراجهم من السجن.
أما عويس، فترى أن القانون، رغم أنه جاء “من رحم تسوية ومحاصصة سياسية وطائفية”، يمثل إنجازا يمكن أن يصب في إطار الإصلاح المنشود، وتحقيق العدالة، وطي صفحة قاسية ومسيئة للبنان وللقضاء فيه.
بين المحاصصة والإصلاح
تشير عويس إلى أن النقاش حول العفو والإعدام يأتي في عام 2026، في وقت سبقت فيه دول عربية عدة لبنان إلى إصدار قوانين عفو، معتبرة أن لبنان لم يعد بإمكانه الاستمرار في الأنظمة التقليدية البائدة.
وتقر بأن التسوية قامت على المحاصصة، وأن كل طائفة حصلت على ما تريد، لكنها ترى في الوقت نفسه أن هذه المحاصصة قد تفتح “خطوة الألف ميل نحو إصلاح”. في المقابل، يرفض سبيتي وصف ما حدث بالإصلاح، مؤكدا أن “لا يوجد إصلاح في لبنان، وليس هذا ما حصل”، وأن ما جرى ليس خطوة فعلية نحو إصلاح قانوني أو قضائي أو إداري شامل.
ويربط سبيتي ذلك بالبنية السياسية التي تحكم لبنان منذ الطائف، معتبرا أنها لم تتغير، وأن المحاصصة تمتد إلى مختلف المجالات، بما فيها الوظائف، ولذلك فإن غياب إرادة الإصلاح وغياب الإصلاحيين يجعل تغيير هذه البنية أمرا بالغ الصعوبة.
2300 موقوف وشروط تحدد المستفيدين
وتكشف عويس أن نحو 2300 موقوف سيستفيدون من القانون، بينهم 157 موقوفا إسلاميا، فيما لا يتجاوز عدد من سيفرج عنهم فورا 79 شخصا.
وتشدد على أن العفو لا يعني إسقاط مبدأ المحاسبة أو المساءلة أو العقاب، وأن القانون يتضمن استثناءات مهمة.
وبحسب ما صدر عن اللجان النيابية، تشمل الاستثناءات كل ما له علاقة بالإرهاب، وجرائم القتل المتعمد، وغسل الأموال، وودائع الناس. وتلفت عويس إلى أن المواطنين قد يطرحون سؤالًا بشأن ما إذا كان العفو يشمل من سرق أرزاقهم، معتبرة أن هذا الموضوع متشعب وسيفتح نزاعا قضائيا في المرحلة المقبلة.
كما تؤكد ضرورة انتظار صدور القانون في الجريدة الرسمية للاطلاع على مواده بصورة نهائية، لأن القانون لا يعني خروج جميع الموجودين في السجون، بل يضع شروطا واستثناءات محددة.
حق المتضررين ومسار قضائي مرتقب
وترى عويس أن القانون سيفتح المجال أمام نزاع قضائي كبير، لكنه في المقابل حفظ حق المتضررين في المطالبة بتعويضات مدنية، بما يسمح لهم بمتابعة دعاواهم عند الاقتضاء.
وفي الوقت نفسه، تشير إلى وجود مظلومية لحقت بعدد غير قليل من الأشخاص الذين أوقفوا في جرائم غير خطيرة، أو تركوا من دون متابعة، أو أوقفوا من دون أحكام، أو أنهوا محكومياتهم وبقوا في السجون بسبب غرامات مترتبة عليهم ولم يتمكنوا من دفعها.
سوريا.. صفحة جديدة في العلاقات
وتشير عويس إلى أن القانون قد يساعد كثيرا في حل مشكلة الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، خصوصا في مرحلة يفتح فيها لبنان علاقات جديدة مع سوريا.
وتقول إن هذا الملف كان أولوية لدى الرئيس السوري أحمد الشرع في لقاءاته، وإن معالجته أرست عامل الثقة مع سوريا وفتحت صفحة البحث في المصالح المشتركة والعلاقة الندية بين البلدين، بدل النفوذ والوصاية اللذين كانا قائمين سابقا.
أما سبيتي، فيشير إلى أن هناك حديثا عن إيصال المسجونين السوريين إلى سوريا، وأن الملف “يبدو أنه أغلق” مع النظام السوري، في ظل تفاهمات كبيرة بين البلدين وتسوية في هذا المجال. لكنه يوضح أن الأمر يختلف بالنسبة إلى الإسلاميين اللبنانيين، ولا سيما الأسير، إذ يبدو أن النظام السوري لم يتدخل في هذا الملف، رغم أن الأسير كان من المؤيدين للثورة السورية.
ويخلص سبيتي إلى أن القانون جاء نتيجة تقاطعات داخلية بين القوى السياسية المتحاصصة، إلى جانب ضغوط خارجية، بينها الضغط السوري لإنهاء الملف، فضلًا عن رغبة داخلية في الاستجابة لمتضررين ومطالب شعبية، لتنتهي العملية إلى تسوية أرضت مختلف الفرقاء، رغم بقاء الجدل قائمًا حول حدود المحاصصة وإمكان تحولها إلى مسار إصلاحي فعلي.
