وحذرت القوى المدنية المناهضة للحرب من استخدامه لشرعنة الحكم العسكري وإعادة الإسلاميين وواجهات النظام السابق إلى المشهد السياسي، وتكريس الانقسام الذي أنتجته الحرب.
وأعلنت “قوى إعلان المبادئ السوداني”، الأحد، رفضها القاطع للبيان الصادر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي، وطالبت بسحبه أو تصحيحه فوراً، محذرة من أن المضي في دعم مبادرة البرهان يهدد حياد مؤسسات الوساطة، ويحولها من أدوات لإنهاء الحرب إلى غطاء سياسي لأحد أطرافها.
وكانت مفوضية الاتحاد الأفريقي قد رحبت رسمياً بمبادرة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقالت إن الحوار سيجري تحت إشراف “لجنة مستقلة من حكماء أبناء السودان”.
ودعت المفوضية إلى أن تشمل المشاورات مختلف الأطراف المدنية والسياسية والمجتمعية، وأن تقوم على الشمولية و”الملكية والقيادة السودانية الخالصة”، وصولاً إلى سودان موحد تحكمه مؤسسات مدنية شرعية ويتمتع بهيكل موحد للأمن القومي.
كما ربطت المبادرة بخارطة طريق الاتحاد الأفريقي ومسار الآلية الخماسية، معتبرة أنها تصب في “استراتيجية متماسكة”، وهو ما أثار اعتراضاً حاداً لدى قوى إعلان المبادئ.
حوار تحت سلطة أحد طرفي الحرب
ورفضت قوى إعلان المبادئ توصيف المبادرة باعتبارها حواراً وطنياً مستقلاً، مؤكدة أنها صادرة عن أحد طرفي الحرب، الذي يتحكم في توقيتها ومكانها وأجندتها وتوجهها، وتجري داخل مناطق سيطرته وتحت حمايته العسكرية.
وقالت إن اللجنة المشرفة على الحوار عيّنها قائد الجيش، معتبرة أن الهدف من العملية هو إضفاء شرعية على استمرار الحرب لا إنهائها، وأنها قد تسهم في تعميق التفكيك السياسي للبلاد وتكريس واقع الانقسام الذي فرضه القتال.
واعتبرت أن ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بهذا المسار، في ظل غياب هدنة إنسانية أو وقف فعلي لإطلاق النار، يمثل “تبنياً غير مسؤول” لتوجهات أحد طرفي الحرب، ويضع المفوضية، بحسب البيان، في موقع “الشريك في تسويق حوار مزيّف” بدلاً من الراعي المحايد لعملية سلام حقيقية.
وحذرت القوى كذلك من أن موقف المفوضية قد يمهد للتراجع عن قرار مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي بتعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد، عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، إلى حين استعادة السلطة الانتقالية بقيادة مدنية، بما يفتح الباب أمام منح سلطة الجيش شرعية إقليمية عبر عملية سياسية تنطلق من داخل مناطق سيطرته.
وجددت في المقابل تمسكها بما ورد في وثيقة “السلام الذي نريد”، الصادرة عن الاجتماع التشاوري للقوى المناهضة للحرب في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس، والتي تضع وقف العدائيات وحماية المدنيين في مقدمة أي مسار جاد لإنهاء الأزمة.
شرعنة الحكم العسكري وعودة النظام السابق
وحذرت قوى إعلان المبادئ من أن توفير غطاء خارجي لحوار البرهان يمكن أن يحول مؤسسات الوساطة من رعاة محتملين لسلام عادل إلى شركاء في تكريس الحكم العسكري وإعادة القوى المرتبطة بالنظام السابق إلى السلطة.
وقالت إن أي حوار يُدار من داخل مناطق سيطرة طرف واحد، بينما الحرب مستمرة، سيقصي ملايين السودانيين ويمنح سلطة الأمر الواقع فرصة لاكتساب شرعية سياسية عبر الحوار بدلاً من الوصول إليها من خلال عملية انتقال مدني مستقلة وشاملة.
وترى القوى المدنية أن الخطر يتجاوز تثبيت سلطة الجيش إلى تمهيد الطريق أمام عودة الإسلاميين وواجهات النظام السابق إلى قلب المشهد السياسي، تحت مظلة عملية تحظى بدعم إقليمي.
الخماسية في قلب الخلاف
وتركز جانب أساسي من اعتراض قوى إعلان المبادئ على ربط مفوضية الاتحاد الأفريقي مبادرة البرهان بمسار الآلية الخماسية.
قالت إن هذا الربط يوفر إطاراً “يبارك” حوار قائد الجيش، ويعطي انطباعاً بأن آليات الوساطة تتجه نحو تسويق شرعية سياسية لأحد أطراف الحرب، بدلاً من توظيف ثقلها لإنهائها.
وأشارت إلى أنها سبق أن أبدت تحفظات جوهرية على تصميم مسار الآلية الخماسية، محذرة من أن دمج مبادرة البرهان في هذا المسار قد يضر بمصداقية الآليات الإقليمية والدولية وحيادها.
وأكدت أن أي دعم أو زيارات أو مشاركات خارجية مرتبطة بالحوار ستتعامل معها باعتبارها انحيازاً إلى أحد طرفي الحرب وخطوة تسهم في تعقيد النزاع وإطالة أمده.
تحذير من تكريس التقسيم
وحذرت قوى إعلان المبادئ من أن أخطر نتائج المسار الذي رحبت به المفوضية قد تكون تكريس الانقسام الذي أنتجته الحرب، عبر منح شرعية سياسية لحوار يجري داخل مناطق سيطرة الجيش ويستبعد عملياً ملايين السودانيين الموجودين خارجها.
واعتبرت أن ذلك قد يحول خريطة السيطرة العسكرية إلى واقع سياسي، ويدفع باتجاه تقسيم فعلي للبلاد بدلاً من بناء عملية سلام تعيد توحيدها.
وطالبت قوى إعلان المبادئ مفوضية الاتحاد الأفريقي بسحب بيانها أو تصحيحه فوراً، ودعت الجهات الإقليمية والدولية إلى تنسيق جهودها من أجل عملية سلام تبدأ بوقف فوري وشامل للعدائيات للأغراض الإنسانية، يعقبه مسار للترتيبات السياسية الانتقالية ووقف دائم لإطلاق النار، تحت مظلة مستقلة ومحايدة تعالج جذور الحرب.
وتقول قوى مدنية وسياسية ومنظمات حقوقية سودانية إن المبادرة التي يطلق عليها “الحوار السوداني–السوداني” ليست سوى خديعة سياسية يقودها البرهان للوصول إلى الحكم وشرعنة سلطة الجيش، وإعادة الإسلاميين وواجهات النظام السابق إلى السلطة، وتحويل واقع الحرب إلى أمر سياسي واقع، بدلاً من إنهائها وفتح الطريق أمام انتقال مدني حقيقي.
