داخل خيمة نزوح في مدينة غزة، يحاول باسل الدحنون، 47 عاما، الحفاظ على صحته بعدما عاش مع السكري طوال 28 عاما. ويقول إن الحصول على الإنسولين، الذي كان يتلقاه مجانا من عيادات الأونروا أو مراكز الرعاية الصحية الحكومية، أصبح أكثر صعوبة منذ اندلاع الحرب.
ويقول باسل لموقع “سكاي نيوز عربية” إن مستشفى الشفاء يكتب له وصفة طبية، لكنه يضطر بعدها إلى التنقل بين المستشفيات والصيدليات بحثا عن الدواء، وقد تستمر رحلة البحث لأسابيع من دون أن يعثر عليه.
وفي بعض المرات، وجد في صيدليات خاصة حقن إنسولين منتهية الصلاحية منذ أشهر، وقال إنه تلقى تحذيرا من استخدامها على مسؤوليته الشخصية.
دواء بلا تبريد
حتى عندما يحصل باسل على الإنسولين، تبقى مشكلة تخزينه داخل خيمة تفتقر إلى الكهرباء والتبريد. ويقول إن استخدام حقن منتهية الصلاحية أو تعرضت لظروف تخزين غير مناسبة تزامن أكثر من مرة مع إصابته بنوبات غيبوبة.
ولا تتوقف معاناته عند هذا الحد. ويقول باسل إنه تعرض قبل 3 أشهر لعضة جرذ داخل خيمة النزوح، قبل أن تتطور إصابته إلى غرغرينا انتهت ببتر ساقه اليمنى، ما جعله عاجزا عن العمل وتأمين احتياجات أسرته.
ويعيل باسل أربعة أبناء، ويقول إنه لا يستطيع توفير أكثر من وجبتين صغيرتين يوميا من معلبات المساعدات، بينما يحول ارتفاع أسعار المواد الغذائية دون توفير نظام غذائي متوازن يساعده على ضبط مستويات السكر.
محمد.. الجرعة الأخيرة
في عيادة الدرج بمدينة غزة، يحمل زهدي الددة آخر ما تبقى من علاج ابنه محمد، البالغ 10 أعوام، والذي يعيش مع السكري منذ أن كان في الثالثة.
ويقول زهدي إن ابنه لم يتبق لديه سوى جرعة واحدة من أقلام الإنسولين من نوع “Levemir FlexPen”، بينما يواصل البحث عن جرعات إضافية.
وبحسب الأب، تعرض محمد مرتين من قبل لغيبوبة بعدما ارتفع مستوى السكر لديه إلى 500، ويخشى تكرار ذلك إذا لم يتمكن من توفير العلاج.
وجاء زهدي إلى عيادة الدرج بحثا عن الدواء، لكنه لم يجده، ليواصل البحث بين العيادات والمستشفيات والصيدليات.
نقص الإنسولين يغير خطط العلاج
في عيادة الدرج للرعاية الأولية، يتكرر وصول مرضى السكري وأسرهم بحثا عن العلاج، وسط نقص في أنواع من الإنسولين اعتادوا استخدامها.
وتقول طبيبة الأسرة ومديرة المركز الصحي، رهام حجازي، لسكاي نيوز عربية، إن المرضى كانوا يعتمدون بشكل أساسي على نوعين من الإنسولين، السريع “نوفورابيد” والقاعدي “لانتوس”، لكنهما غير متوفرين منذ نحو ستة أشهر، ما دفع الطواقم الطبية إلى تحويل المرضى إلى أنواع أخرى متاحة.
وبالنسبة إلى الأطفال، يعني ذلك أحيانا الانتقال من أقلام الإنسولين التي تتيح تحديد الجرعة بدقة إلى العبوات التقليدية التي تتطلب سحب الجرعة يدويا، وهو ما تقول حجازي إنه يزيد مخاطر الخطأ في تحديد الوحدات.
وتضيف أن نقص الإنسولين يتزامن مع انعدام الأمن الغذائي وزيادة الاعتماد على النشويات ونقص البروتين، ما يزيد صعوبة ضبط مستويات السكر. وبحسب حجازي، انتهى الأمر بأكثر من مريض في أقسام العناية المركزة نتيجة الإصابة بالحماض الكيتوني السكري، وهي مضاعفة خطيرة قد تهدد الحياة.
من نقص الدواء إلى العناية المركزة
ويقول اختصاصي الغدد الصماء والسكري لدى الأطفال في مستشفى الرنتيسي جلال البرعاوي، إن نقص الإنسولين خلال الأشهر الأخيرة انعكس مباشرة على الأطفال، مع تكرار اتصالات الأهالي بحثا عن العلاج ووصول بعض الحالات إلى المستشفيات بعد ارتفاع مستويات السكر وظهور مضاعفات.
ومن أبرز هذه المضاعفات الحماض الكيتوني السكري، الذي يحتاج إلى تدخل وعلاج داخل المستشفى.
ويضيف البرعاوي أن أقسام العناية المركزة في مستشفيات عدة بالقطاع استقبلت أطفالا يعانون هذه المضاعفات، فيما كانت مخازن وزارة الصحة، بحسب قوله، شبه خالية من الإنسولين المستخدم لعلاج الأطفال.
أرقام تكشف حجم الأزمة
يعيش في قطاع غزة نحو 71 ألف مصاب بالسكري، بينهم أكثر من ألف مصاب بالنوع الأول الذي يعتمد على الإنسولين، وفق بيانات أوردتها دراسة منشورة في دورية تابعة لمنظمة الصحة العالمية.
وتشير دراسة أخرى نشرت في الدورية نفسها عام 2025، وشملت 278 مريضا بالسكري في رفح، إلى تراجع نسبة الوصول إلى مرافق الرعاية الصحية من 90 بالمئة قبل الحرب إلى 22 بالمئة خلال فترة الدراسة، وانخفاض الالتزام بالعلاج من 85 إلى 45 بالمئة، وسط تضرر البنية الصحية واضطراب إمدادات الأدوية والقيود المالية.
وأظهرت دراسة تناولت الأطفال المصابين بالسكري من النوع الأول أن نحو 79 بالمئة من المشاركين لم يتمكنوا من الحصول على رعاية كافية للسكري خلال الحرب، فيما عجز نحو 76 بالمئة عن الحصول على كامل أدويتهم، وواجه نحو 59 بالمئة صعوبة في إجراء فحوصات سكر الدم في المنزل بسبب نقص شرائح القياس أو ارتفاع تكلفتها.
وتأتي هذه الصعوبات في وقت يواجه فيه النظام الصحي في غزة نقصا واسعا في الموارد والخدمات، مع استمرار فجوات في توافر الخدمات الصحية وإمكانية الوصول إليها، وفق أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية الواردة في المادة حتى نهاية يونيو 2026.
وبالنسبة إلى مرضى مثل باسل ومحمد، لم تعد المشكلة في العثور على الإنسولين فقط، بل في سلسلة كاملة من الاحتياجات الضرورية لضبط المرض، تبدأ بالدواء ولا تنتهي بالتبريد وقياس السكر والغذاء المناسب.

