في عصر الإعلام الرقمي، لم تعد الشهرة مجرد نتاج موهبة أو جهد إبداعي، بل أصبحت في كثير من الأحيان نتاجًا مباشرًا لقدرة الشخص على إثارة الانتباه، وكسر التوقعات، واللعب على حدود القيم الاجتماعية السائدة. من هنا، يمكن فهم ظاهرة تخلي بعض المشاهير عن مظاهر معينة من القيم أو الهوية – مثل نزع الحجاب أو تغيير الخطاب الأخلاقي أو الثقافي – بوصفها جزءًا من استراتيجية واعية أو غير واعية لإعادة التموضع داخل السوق الجماهيري.
في علم الاتصال والسلوك الجماهيري، تشير الدراسات إلى أن الجمهور لا يتفاعل فقط مع المحتوى، بل مع “الرمز” الذي يمثله صاحبه. فالمشهور لا يُتابَع بوصفه فردًا، بل باعتباره نموذجًا ثقافيًا يحمل معاني ورسائل. وعندما يغيّر هذا النموذج مظهره أو خطابه أو سلوكه، فإنه لا يغيّر نفسه فقط، بل يعيد رسم علاقته بجمهوره، ويعيد توزيع دوائر التأثير من حوله.
في كثير من الحالات، يكون التخلي عن بعض القيم الظاهرة – سواء دينية أو أخلاقية أو ثقافية – وسيلة للانتقال من جمهور محافظ أو محلي إلى جمهور أوسع، أكثر تنوعًا وعالمية. هذا الانتقال يفتح أبوابًا جديدة: منصات دولية، شركات إعلانية، فرص فنية، وشراكات عابرة للحدود. وهنا يتحول “التغيير الشخصي” إلى “استثمار رمزي” في سوق الشهرة.
التجارب العالمية في هذا السياق عديدة. فقد شهدنا فنانين ومؤثرين في مجتمعات مختلفة غيّروا صورتهم المحافظة إلى صورة أكثر تحررًا، فارتفعت معدلات المتابعة، وتوسعت قاعدة الجمهور، وتضاعفت العوائد الاقتصادية. وفي المقابل، خسر بعضهم جزءًا من جمهوره الأول، لكنه راهن على جمهور بديل أكثر عددًا وتأثيرًا. هذه ليست صدفة، بل نتيجة فهم دقيق لآليات السوق الإعلامي.
من منظور فلسفي، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها صراعًا بين “الهوية” و”العلامة التجارية”. فالإنسان بطبيعته يحمل منظومة قيم، بينما المشهور في العصر الرقمي يتحول تدريجيًا إلى “منتج إعلامي”. وكل منتج يخضع لقوانين العرض والطلب، والتكيّف مع ذوق المستهلك. وعندما تتعارض القيم مع فرص الانتشار، يختار بعضهم التضحية بالأولى لصالح الثانية.
لكن الخطورة هنا لا تكمن في التغيير بحد ذاته، فالتغير سنة إنسانية طبيعية، بل في تسليعه وتسويقه بوصفه وسيلة للنجاح. حين يصبح التخلي عن القيم أداة للوصول، فإن الرسالة التي تصل للجمهور – خاصة الشباب – هي أن المبادئ مرنة وقابلة للاستبدال مقابل الشهرة.
في رأيي، لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمنطق الإدانة أو التبرير المطلق. هي نتاج منظومة إعلامية عالمية تجعل “الانتباه” هو العملة الأساسية. وكلما ارتفع ثمن هذه العملة، زادت الاستعدادات للتنازل. التحدي الحقيقي أمام المشاهير والمؤسسات الإعلامية ليس في منع التغيير، بل في بناء نموذج نجاح لا يضع القيم في مواجهة الانتشار، ولا يجعل الهوية ضحية للخوارزميات.
بقي القول، إن السؤال الأهم: هل نريد صناعة نجومية تقوم على الإثارة المؤقتة، أم على التأثير المستدام؟ هذا السؤال لا يخص المشاهير وحدهم، بل يخص المجتمع بأكمله، لأنه يعكس نوع الثقافة التي نختار أن نروّج لها ونمنحها الضوء.
