الثلاثاء _1 _سبتمبر _2026AH

ومن هذه المعضلة جاءت فكرة تبدو أقرب إلى الخيال العلمي: تحويل صراصير حية إلى منصات إنقاذ صغيرة يمكن توجيهها عن بعد، لتحديد مواقع المحاصرين وإيصال مساعدة طبية أولية إليهم.

وطور باحثون من جامعتي كوينزلاند ونيو ساوث ويلز في أستراليا ما أطلقوا عليه اسم “بارابورغ”، وهي صراصير “سايبورغ مسعفة” مجهزة بكاميرات وأنظمة مصغرة لحقن السوائل.

الطبيعة صنعت منصة الإنقاذ

اختار الباحثون صراصير الحفر العملاقة في شمال كوينزلاند، المعروفة علمياً باسم “Macropanesthia rhinoceros”، وهي أثقل أنواع الصراصير في العالم، وقد يصل طولها إلى نحو 8.5 سنتيمتر.

ويسمح حجم هذه الحشرات وقوتها بحمل تجهيزات إلكترونية وطبية صغيرة، مع الاحتفاظ بقدرتها الطبيعية على الحركة بين الشقوق واجتياز الأسطح غير المنتظمة.

ويقول الباحثون إن الصراصير تتميز بخفة الحركة والقدرة على التكيف وانخفاض حاجتها إلى الطاقة، وهي خصائص يصعب جمعها في روبوت صناعي صغير بالحجم نفسه.

وخلال تجهيز الحشرة، يخدرها الباحثون قبل تثبيت الأقطاب الكهربائية والرقائق الإلكترونية، لضمان عدم شعورها أثناء العملية. وباستخدام إشارات كهربائية محدودة، يستطيع المشغل تحفيز أجزاء من جهازها العصبي وتوجيهها يميناً أو يساراً والتحكم في حركتها.

وأكد الفريق أن التجهيزات قابلة للإزالة، وأن الصراصير تعيش بعد نزعها مدة مماثلة للصراصير الأخرى.

صرصور يراقب وآخر يحمل الدواء

اعتمدت التجربة على توزيع المهام بين حشرتين، بدلاً من تحميل صرصور واحد جميع المعدات.

وحملت الحشرة الأولى كاميرا لاسلكية تنقل صوراً مباشرة إلى المشغل، لمساعدته على تحديد الهدف ومراقبة عملية إيصال الدواء. أما الثانية، فزُودت بنظام حقن مصغر يمكن تشغيله عن بعد.

ويظل القرار الطبي بيد الإنسان، إذ لا تختار الحشرة الدواء ولا تقرر توقيت استخدامه. ويتولى المسعف أو المشغل توجيهها وتحديد اللحظة المناسبة لتفعيل نظام الحقن.

ويأمل الباحثون أن تساعد هذه التقنية مستقبلاً في إبقاء المصابين على قيد الحياة حتى وصول فرق الإنقاذ، خصوصاً في الحالات التي تكون فيها الدقائق حاسمة، مثل الحساسية الشديدة أو لدغات الأفاعي.

ماذا أظهرت الاختبارات؟

حققت الصراصير نجاحاً بنسبة 100 بالمئة في الوصول إلى نقاط محددة خلال الاختبارات، بينما بلغت نسبة نجاح مهمة التنقل والتمركز والحقن كاملة 72 بالمئة.

وعندما كانت الحشرة على مسافة لا تتجاوز 15 سنتيمتراً من الهدف، ارتفعت نسبة نجاح الحقن إلى نحو 95 بالمئة.

لكن هذه النتائج لا تعني أن “الصراصير المسعفة” أصبحت جاهزة للعمل في مواقع الكوارث، فقد أُجريت التجارب داخل بيئة مختبرية مضبوطة، باستخدام أهداف من السيليكون وجلد الخنزير، ولم تشمل البشر أو مصابين حقيقيين.

ولا يزال الباحثون بحاجة إلى معالجة تحديات تشمل فقدان الاتصال داخل المباني المنهارة، وصعوبة الحركة فوق التضاريس المعقدة، وضمان دقة الحقن وسلامته.

أسراب بمهام مختلفة

تتمثل الرؤية المستقبلية في إرسال أسراب من الحشرات إلى مواقع الكوارث، بحيث تحمل بعضها كاميرات وأجهزة استشعار، فيما تنقل أخرى معدات طبية متخصصة.

ويؤكد الباحثون أن الهدف ليس استبدال المسعفين وفرق الإنقاذ، وإنما منحهم وسيلة إضافية للوصول إلى أماكن يستحيل أو يصعب على البشر دخولها.

ويقدر الفريق أن استخدام هذه الحشرات في عمليات إنقاذ حقيقية قد يصبح ممكناً خلال 5 إلى 10 سنوات، شرط توفير التمويل واستكمال الاختبارات الميدانية ومتطلبات السلامة.

ويكشف المشروع تحولاً لافتاً في التفكير الهندسي: بدلاً من بناء آلة تحاول تقليد الطبيعة، يمكن الاستفادة من قدرات كائن حي ومنحه الأدوات اللازمة لأداء مهمة إنقاذ.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version