ففي العلن، تصعد الولايات المتحدة حصارها على إيران، فيما تلوح طهران بإخراج القوات الأميركية من المنطقة وإغلاق مضيق هرمز. لكن الطرفين كانا يبحثان في الخفاء عن مكان للقاء، وفق ما كشفه موقع “أكسيوس” عن قناة اتصال مباشرة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقيادة الحرس الثوري، بوساطة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني.
وفي قراءة قدمها الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي لـ”التاسعة” على سكاي نيوز عربية، تبدو التحركات الميدانية والاتصالات السرية جزءاً من مواجهة تختلط فيها أوراق التفاوض والضغط والاستنزاف.
قناة اتصال تكتيكية
يرى العزاوي أن فتح قناة مباشرة مع الحرس الثوري أمر “طبيعي جداً”، في سياق البحث عن مخرج للإيرانيين ومحاولة واشنطن فهم طبيعة القرار داخل إيران والجهة التي تتخذه.
وأشار إلى وجود تبادل أدوار بين الحرس الثوري ومحمد باقر قاليباف وعباس عراقجي والرئيس مسعود بزشكيان، رغم رفض الأميركيين، وفق قوله، الاعتراف بذلك.
وأوضح أن 6 أشهر من تبادل الرسائل والاتصالات عبر وسطاء، من بينهم القطريون والباكستانيون، لم تؤدِّ إلى نتائج، معتبراً أن الاتصال الحالي “ميداني أكثر منه سياسياً”، لأن تكتيك الحرس يقوم على الضغط لفتح مساحات جديدة.
واستشهد العزاوي بالضغط على أربيل، قائلا إن نيجيرفان بارزاني يؤدي دوراً تكتيكياً هدفه تقليل التهديدات التي تتعرض لها أربيل وفتح قناة للتواصل، خصوصاً أن عدد الضربات التي استهدفتها يوازي تقريباً الضربات على الكويت أو البحرين.
وأكد أن جلوس الحرس الثوري مع الأميركيين في العراق ليس جديداً، معتبراً أن الحرس هو من يدير إيران، لا سيما بعد التعيينات الأخيرة التي أعادت قيادات من جيله الأول، في مؤشر على التعامل مع المرحلة باعتبارها “فترة حرب”.
وأضاف أن الحرس يسعى إلى شراء الوقت والاستعداد لحرب مقاومة، مستشهداً بالمكافآت المرصودة لقتل الجنود الأميركيين، ولذلك وصف الاتصال بأنه “تكتيكي أكثر منه استراتيجياً”.
هرمز.. ورقة لا تدوم
وفي ملف مضيق هرمز، يعتقد العزاوي أن الإيرانيين “ابتلعوا الفخ بشكل كامل”، وأن المضيق لم يعد ورقة استراتيجية، بل أداة ضغط وتأثير “منتهية الصلاحية”.
وقال إن إيران قد تتمكن من إغلاق المضيق، لكنها لا تستطيع إدامة إغلاقه، معتبراً أن عامل الوقت يصب في مصلحة الولايات المتحدة وليس إيران.
ورفض العزاوي الرهان على تغيير الانتخابات النصفية سلوك ترامب، قائلاً إن الرئيس الأميركي سيكون أقوى بعدها، سواء فاز حزبه أم خسر، لأنه لن يكون أمامه سوى عامين لترسيخ إرثه السياسي.
كما رفض الحديث عن نقص أميركي في العتاد أو الذخائر، مستشهداً باستخدام روسيا وأوكرانيا ما بين 600 و700 طائرة مسيّرة يومياً.
الحصار قبل الخيار العسكري
حدد العزاوي خيارين أمام ترامب: اللجوء إلى القوة العسكرية أو تجديد الحصار، مرجحاً اتجاهه إلى الخيار الثاني، لكن بصورة مختلفة عن المراحل السابقة.
وأشار إلى تحركات تهدف إلى فصل العراق عن المسارات التي تعتمد عليها إيران تجارياً ومالياً، بما يشمل الاقتصاد الأسود وأسطول الظل، إلى جانب المسار الشرقي الممتد من بحر قزوين إلى باكستان.
وقال إن قطع الإنترنت خلق مشكلات كبيرة داخل إيران، إلى جانب حصار يكلّف طهران، وفق تقديره، نحو نصف مليار دولار يومياً. ولهذا، يرى أن إيران تسعى إلى إبقاء حالة الاحتكاك وخلط الأوراق في اليمن ولبنان وغزة لكسب الوقت.
ورغم ترجيحه تشديد الحصار، لم يستبعد العزاوي استخدام القوة، معتبراً أن السيطرة على الممرات الخارجية يمكن أن تنهي القدرات التصديرية الإيرانية بالكامل.
مؤشرات عسكرية متصاعدة
حذر العزاوي من خطورة عدم تحديد النطاق الجغرافي للمكافآت المرصودة لاستهداف الجنود الأميركيين، مشيراً إلى احتمال وجود خلايا نائمة في مناطق انتشار القوات الأميركية.
كما تحدث عن مؤشرات لاحتمال تنفيذ عملية عسكرية، وربما تحرك بري، قائلاً إن المباغتة والمفاجأة حاضرتان في عقلية صانع القرار العسكري الأميركي، بالتزامن مع تصريحات للتضليل ومؤشرات ميدانية متصاعدة.
ووضع إسرائيل بوصفها طرفاً ثالثاً في المعادلة، مشيراً إلى أنها لا تزال في حالة استعداد ويمكن أن تنفذ عملية عسكرية.
وفي المقابل، تحدث العزاوي عن مشكلات مالية داخل إيران وعدم تسلم الجيش رواتبه، إلى جانب استياء بين جنود الحرس الثوري بسبب الأوضاع الاقتصادية. واعتبر أن التصريحات التصعيدية للحرس تهدف إلى رفع معنويات القوات وإظهار الجاهزية.
عمليات محدودة لا حرب شاملة
يرى العزاوي أن تحركات إيران تندرج ضمن عقيدة “الدفاع خارج الحدود”، من خلال “حزام النار” والقواعد العسكرية في العراق واليمن ولبنان وسوريا سابقاً.
وقال إن هجمات الجماعات المسلحة على دول الخليج والأردن لم تحقق نتائج استراتيجية، بل بقيت ضمن حدود التكتيك.
واستبعد أن تترك واشنطن مساحات التحرك الإيراني مفتوحة، خصوصاً في مضيق هرمز، الذي وصفه بأنه “خط أحمر أميركي” يرتبط بالطاقة وحرية الملاحة والأصول الاستراتيجية الأميركية.
ورجح العزاوي إمكان التوجه إلى عمل عسكري، لكنه استبعد اندلاع حرب شاملة، متوقعاً بدلاً من ذلك تنفيذ “عمليات تقليم أظافر وتجريد أكثر للقدرات الإيرانية”.

