ويرى الأستاذ الزائر في الناتو والأكاديمية العسكرية الملكية في بروكسل سيد غنيم أن الخطر الجديد لا يقتصر على توسع الحرب من البر والجو إلى البحر، وإنما يشمل اختبار قدرة الحلف على الرد على عمليات تقع في المنطقة الفاصلة بين التخريب والهجوم العسكري المباشر.
المواجهة تنتقل إلى البحر
قال غنيم، خلال حديثه إلى “التاسعة” على “سكاي نيوز عربية”، إن رقعة المواجهة تتسع تدريجيا، مستشهدا بنشر قوات روسية قبالة فنلندا، بالتوازي مع استمرار القتال في دونباس ومحاولات موسكو تعميق تقدمها.
وبعد المواجهات البرية والهجمات الجوية والصاروخية المتبادلة، يبرز البحر بوصفه بعدا جديدا للصراع. لكن غنيم يرى أن التطور الأهم يتمثل في ارتفاع مستوى التصعيد، إذ انتقل الخطاب من الحديث عن حرب بين روسيا وأوكرانيا يدعم فيها الناتو كييف، إلى مواجهة تُطرح بصورة متزايدة بين روسيا والحلف نفسه.
ولا تتحرك الدول الأوروبية، بحسب قراءته، ضمن إطار الناتو فقط، إذ باتت الرسائل الروسية توجه أحيانا إلى دول بعينها.
ويشير غنيم إلى تركيز موسكو على فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا، بوصفها قوى أساسية في الصفوف الأولى للمواجهة الأوروبية.
ويصف بريطانيا بأنها القوة السياسية، وألمانيا بأنها القوة الصناعية، بينما أصبحت بولندا، وفق تقديره، قوة عسكرية متقدمة. أما تركيا، فيضعها ضمن الجبهة الجنوبية بوصفها قوة كبيرة داخل الحلف.
الكابلات تختبر المادة الخامسة
يعتقد غنيم أن أخطر أبعاد المواجهة البحرية يكمن في الأعماق التي تمر فيها كابلات الاتصالات والإنترنت ذات الأهمية الاستراتيجية.
وتثير احتمالات استهداف هذه الكابلات، إلى جانب استخدام المسيّرات والهجمات السيبرانية، أسئلة بشأن الحدود التي يمكن عندها اعتبار الفعل هجوما مسلحا يستدعي تفعيل المادة الخامسة، التي تنص على أن الاعتداء على دولة عضو يعد اعتداء على دول الحلف.
ويرى غنيم أن هذه الأدوات تضع الناتو أمام حالات لا يسهل التعامل معها بالآليات التقليدية، خصوصا عندما يصعب تحديد الجهة المنفذة أو إثبات أن التخريب يمثل هجوما عسكريا مباشرا.
واستحضر قطع كابلات الألياف الضوئية في مضيق هرمز مثالا على حجم التأثير الذي قد تحدثه عمليات تستهدف البنية التحتية تحت البحر، من دون أن تتخذ شكل مواجهة بحرية معتادة.
ردع يسبق السلاح النووي
يرفض غنيم اختزال الأسلحة النووية في وصفها أدوات ردع لن تستخدم، ويعتبرها “السلاح الأخير” الذي تسعى الدول إلى تجنب الوصول إليه عبر امتلاك أوراق ضغط أخرى.
ويربط ذلك بتعديل العقيدة النووية الروسية باتجاه تسهيل شروط الاستخدام، إلى جانب تطوير رؤوس نووية أقل قدرة تدميرية يمكن استخدامها ضد أهداف محددة.
لكن موسكو، بحسب قراءته، لا تريد بالضرورة استخدام السلاح النووي، وإنما توظيف التهديد به إلى جانب أدوات الردع الأخرى للضغط من أجل وقف الحرب بشروط تخدم مصالحها.
أوكرانيا خط الدفاع الأول
يرى غنيم أن قلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتجاوز السيطرة على أراض بعينها إلى الخطط الرامية لتحويل أوكرانيا من منطقة عازلة إلى “خط دفاع جيوستراتيجي أول” لأوروبا.
ويتضمن ذلك، وفق شرحه، توفير عمق جغرافي للقارة وتحويل أوكرانيا إلى قاعدة صناعية دفاعية أوروبية، وهو مسار يستبعد أن تقبل به موسكو.
وفي المقابل، لم يغير الطرفان شروطهما لإنهاء الحرب، ولا تزال الاتصالات في إطار الضغط المتبادل أكثر منها مفاوضات فعلية. ويحذر غنيم من أن استمرار العمليات قد يوسع المواجهة ويقرب روسيا والناتو من اشتباك مباشر.
وبحسب هذه القراءة، قد لا يبدأ الاختبار الأخطر للحلف بصاروخ أو اجتياح بري، وإنما بعملية غامضة في أعماق البحر تضع المادة الخامسة أمام سؤال لم تحسم إجابته بعد.

