ومع هذا الانتشار، قد تصبح هذه الميليشيات أكثر وسيلة للاختراق الأمني، كما حدث مع “حزب الله” عندما توسع في سوريا لدعم نظام بشار الأسد أو ما عرف ب “لعنة حزب الله” التي عرضته لانكشاف مخابراتي فاضح.
والثلاثاء الماضي، أعلن قيادي في “حركة النجباء” العراقية، فراس الياسر، عضو المجلس السياسي للحركة، أن جماعته ترسل قوافل دعم ومساعدات مالية واسعة من العراق إلى إيران خلال الحرب الأخيرة، معتبرا ذلك “دليلا على التضامن”. كما وجّه انتقادات للطبقة السياسية العراقية، محذرا من “خسائر فادحة” في حال تجاهل التحولات في الرأي العام ومستوى التنسيق مع طهران.
بالتوازي، أظهرت تقارير إعلامية إيرانية انتشار عناصر من ميليشيا “فاطميون” الأفغانية داخل شوارع طهران، إلى جانب تحركات في خوزستان ومدينة آبادان، حيث رصدت مركبات تحمل أعلام هذه التشكيلات. كما تشير تقارير إلى حضور عناصر من “لواء زينبيون” الباكستاني ضمن هذه المنظومة.
أذرع الدعم
وعلى مدى سنوات، اضطلع “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني بدور محوري في تقديم الدعم المالي والعسكري والتدريبي لهذه الجماعات، ما أتاح لإيران ممارسة نفوذ غير مباشر والضغط على خصومها دون الانخراط في مواجهات مباشرة.
ويُعد “لواء فاطميون” أحد أبرز الأذرع التي أنشأها فيلق القدس عام 2013، واستخدمها في ساحات خارجية مثل سوريا والعراق ولبنان، قبل أن يظهر اليوم في الداخل الإيراني. كما أُسست ميليشيات “زينبيون”، ومعظم عناصرها من شيعة باكستان، في العام نفسه لاستخدامها داخل سوريا.
واعتمدت إيران على شبكة معقدة من هذه الميليشيات لتعزيز نفوذها الإقليمي، بدءا من “حزب الله” في لبنان، مرورا بالحوثيين في اليمن، وصولا إلى فصائل شيعية عراقية مثل كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، إلى جانب التنسيق مع حركة حماس في غزة.
تحولات نوعية
ووفق تقديرات محللين عسكريين ومختصين في الشأن الإيراني، في حديثهم لموقع “سكاي نيوز عربية”، فإن هذه الخطوة تمثل تحولا نوعيا في طبيعة الدعم الذي تتلقاه طهران من أذرعها الإقليمية، سواء من حيث نطاقه أو من حيث انتقاله إلى عمقها الداخلي.
ويرى هؤلاء أن هذا التمركز متعدد الجنسيات داخل إيران يمثل تغييرا في نمط استخدام هذه الأذرع، التي ارتبطت تقليديا بالعمليات الخارجية، مع تحذيرات من تحولها إلى مصدر تهديد للداخل الإيراني، في ظل تعقيد البنية العملياتية وتعدد شبكات الاتصال.
ويشير ذلك إلى مستويات أكثر حساسية قد تجعل هذه المنظومة، مع مرور الوقت، عبئًا أمنيًا يكشف هشاشة الداخل الإيراني بدلًا من تعزيزه، خاصة مع انتقال الخبرات والعناصر إلى داخل البلاد.
تجربة سوريا.. درس في الانكشاف
وبحسب تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن انخراط قوات “حزب الله” اللبناني في سوريا شكّل نقطة تحول استخباراتية لصالح إسرائيل، إذ كشف أنماط التواصل وخطوط الإمداد وهياكل القيادة، وهو ما لم يكن متاحا سابقا.
وأدى الانتشار المكثف لعناصر “حزب الله” و”فيلق القدس” إلى انكشاف تحركاتهم استخباراتيا، ما أتاح تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت قيادات ومواقع حساسة، إلى جانب رسم خرائط تفصيلية للبنية العملياتية للمحور الإيراني، وهو سيناريو قد يتكرر داخل إيران لكن بخطورة مضاعفة.
ولاءات متعددة
بدوره، قال رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والخبير العسكري هشام جابر: “إدخال مقاتلين من خارج إيران، لا يمتلكون معرفة كافية بطبيعة المجتمع المحلي وعاداته، قد يؤدي إلى إرباك المشهد الأمني بدلًا من دعمه”.
وأضاف أن “اختلاف الثقافة واللغة بين هذه المجموعات والبيئة الإيرانية قد يفتح المجال لاختراقات أمنية، خاصة في ظل صعوبة ضبط مجموعات كبيرة ومتنوعة”.
وأشار إلى أن “جزءا من هذه المنظومات لا يتمتع بدرجة عالية من الولاء أو المركزية في القرار، سواء بسبب تآكل البنية التنظيمية أو الضغوط الداخلية، وهو ما يدفع النظام إلى الاعتماد على قوى أكثر ولاءً، مع تفاوت الخلفيات والانضباط التنظيمي”.
عبء متزايد وضغط داخلي
في هذا السياق، قال الأكاديمي والباحث المتخصص في الشأن الإيراني سوران بالاني، لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن حزب الله في لبنان أصبح في لحظة معينة جزءا من معادلات معقدة تشكل عبئا على طهران، خاصة مع انكشافه في سوريا.
وأوضح أن “استمرار الاعتماد على هذه الأذرع قد يؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية، بحيث تتحول من أدوات نفوذ إلى مصادر استنزاف وضغط أمني، وتهديد مباشر للاستقرار الداخلي”.
وأضاف: “كلما اتسع حضور الأذرع داخل البلاد، اتسعت نقاط التسريب والرصد، وارتفعت كلفة السيطرة، وتعمق الغضب الشعبي”.
تراجع أمني وترهيب الداخل
من جانبه، قال الخبير العسكري ومدير المركز الإقليمي للدراسات العسكرية خالد حمادة، إن إيران في حال استعانت بميليشيات، فلن يكون ذلك في سياق الحرب نظرًا لغياب العمليات البرية، بل في حال وجود اضطرابات داخلية.
وأشار إلى أن طهران “سبق أن استعانت بميليشيات عراقية وبعناصر من حزب الله في أكثر من مناسبة”.
ويؤيد هذا الطرح الباحث سوران بالاني، مشيرًا إلى أن استدعاء ميليشيات أجنبية إلى الداخل يعكس تراجع كفاءة بعض التشكيلات الأمنية الإيرانية.
ويرى عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مهدي عقبائي أن النظام لا يلجأ إلى أذرعه الخارجية كتعزيز أمني مباشر فقط، بل كوسيلة ترهيب للداخل. وقال: “وجود هذه العناصر في إيران علامة على ضعف الباسيج والحرس الثوري”، مضيفا أن استقدام عناصر خارجية يعني أن أدوات القمع التقليدية تواجه ضغطًا وتآكلا في الثقة والفعالية.
ورقة ضغط دولية
من جانبه، أكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد ناجي ملاعب أن أذرع إيران الإقليمية لا تزال تمثل أداة أساسية في يد النظام الإيراني، قائلا: “هذه الأذرع لعبت دورها كورقة ضغط خلال مراحل التصعيد الأخيرة، ولا تزال طهران متمسكة بها حتى في سياقات التهدئة أو وقف إطلاق النار”.
وأضاف أن الفصائل المرتبطة بطهران في العراق واصلت أداء أدوارها في استهداف المصالح الأميركية، بما في ذلك مناطق مثل أربيل ومحيط السفارة الأميركية في بغداد، كما امتدت هجماتها إلى دول الجوار، وهو ما يعكس استمرار استخدام هذه الشبكة كورقة ضغط في إدارة الصراع.

